جنى جبّور

في شبعا الحدودية... بيت "ثقافة وفنون" يضخّ الحياة في المنطقة

10 حزيران 2021

02 : 00

في شبعا الجنوبية الحدودية المهملة، قرر اسامة الخطيب، الموسيقي والموزع والملحن والأستاذ في المعهد الموسيقي، أن يفتتح بيت "ثقافة وفنون" يُدخل من خلاله أولاد البلدة الى عالم الثقافة ويمزج بين الماضي والحاضر في إطار ثقافي راقٍ. فكيف تمكن الخطيب من إنجاح مبادرته الفردية وإنقاذ تراث وتاريخ هذه البلدة من الاندثار؟

نزحت من شبعا كما كثر من أهالـــــــــي الشريط الحدودي. لماذا قررت اطــــــلاق المشروع من أطراف جنوب لبنان؟

لطالما كانت شبعا مهملة على مرّ السنوات وتغيب عنها المشاريع التنموية وفرص العمل والنشاطات الثقافية. أحزن كثيراً عندما أرى انه ليس أمام شباب البلدة أي شيء يقومون فيه سوى "التأرغل" طول النهار. من هذا المنطلق، رأيت أنه من الضروري تفعيل اللامركزية الثقافية والفنية وكان لا بدّ من خلق مركز يلتقي فيه الجيل الجديد ليتعرف على عالم الثقافة والفنون. كما أنني أتنقل بين بيروت وشبعا لذلك تقتصر الأيام التي يفتح فيها بيت "ثقافة وفنون" أبوابه على الفترة التي اكون موجوداً فيها في بلدتي، فأنا أعمل بشكل فردي ولا إمكانية لي بتوظيف من يساعدني.

أخبرنا أكثر عن تاريخ بيت "ثقافة وفنون" التراثي.

أولاً، إنه منزل قديم يعود الى عائلتي وعمره أكثر من 120 سنة. اشتريته من ورثته منذ 8 سنوات تقريباً وبدأت العمل على تجهيزه منذ سنة ونصف وقررت ممارسة دراستي بعلم الآثار لتحقيق هدفي، فلم أقم بتعديلات جذرية داخله بل اكتفيت بترميمه محافظاً على تفاصيله الأصلية، وعملت جاهداً على اقتناء الأثاث والأواني القديمة، التي تخدم هوية هذا المنزل ذي الطراز اللبناني الأصيل.


مكتبة بيت "ثقافة وفنون"


ما هي النشاطات التي تنظمها داخله؟

منذ 6 أشهر تقريباً افتتحت البيت مع الالتزام بالتدابير الوقائية اللازمة لمنع انتشار "كورونا". استحدثت بدايةً، المكتبة التي تضم 8000 كتاب بمواضيع مختلفة تحاكي كل الفئات العمرية وخلقت مساحة للرسم والتلوين أيضاً. وكان لا بدّ من كسب ثقة اهل المنطقة فرحت أجول في الحارة لأكتشف مَن مِن الأولاد تستهويه القراءة ومن يحب الرسم. فتمكنت من ادخال البعض في عالم القراءة وشجعتهم على التمسك به من خلال منح الجوائز لكل من ينهي قراءة اي كتاب وتلخيصه. وبهذه الخطوة جمعت نحو 40 ولداً في المكتبة. كذلك، أحضّر حالياً لورشة عمل يديرها رسامون من بيروت، لتعزيز وتطوير مهارات الأولاد الموهوبين في مجال الرسم، بتمويل من الفنان العالمي حسين ماضي. وأسعى أيضاً الى تنظيم ورشة عمل أخرى خاصة بالعزف على الآلات الموسيقية، الّا أنني أنتظر التمويل المناسب نظراً لارتفاع سعر هذه الآلات، مع الاشارة الى أن المشاركة بهذه النشاطات شبه مجانية أو باشتراك رمزي. كما يستقبل بيت "ثقافة وفنون" لقاءات مع عدد من الممثلين اللبنانين فاتحاً المجال أمام أهالي البلدة للقائهم وفتح حلقات نقاش وحوار معهم. في المقابل، يضم البيت "عفشاً" قديماً جدّاً وبالتالي يمكن القول إنّه ايضاً "متحف مصغر". ويمكن للفنانين الذين يشاركون في ورش العمل ان يبيتوا فيه وان يستعملوا كل هذه الادوات القديمة. الّا أنّ امكاناتنا المتواضعة تمنعنا من استقبال المجموعات الكبيرة والعائلات، فيقتصر استقبالنا على بعض الزوار (شرط ابلاغنا مسبقاً) الذين يقصدوننا من خارج شبعا لزيارة بيت "ثقافة وفنون"، والتعرف على البلـدة التي ما زالت تحافــظ على جـــزء كبـــير من تقاليدها.

عاش علي الخطيب الذي حارب الانتداب الفرنسي في هذا المنزل بالتحديد. كيف تنوي الاستفـــــــــــــادة من هذه المعلومة؟

أعمل حالياً على تأريخ ماضي رجالات شبعا والقرى المحيطة، من خلال بناء أرشيف خاص ببيت "ثقافة وفنون". لذلك، أجهد في البحث عن وثائق مكتوبة تتمحور حول تاريخ المنطقة ولا سيما مزارع شبعا المحتلة، وجمع صور قديمة لشخصيات لعبت دوراً مهماً في التاريخ، ما يوفر لكل باحث مستندات ووثائق دقيقة تساعده خلال بحثه. فمثلاً، علي الخطيب وهو خال والدتي، ترعرع في هذا المنزل وشارك مع أحمد مريود أحد أهم الثوار السوريين، بمحاربة الإنتداب الفرنسي وفي التخطيط لاغتيال الجنرال غورو في القنيطرة السورية عام 1921 ثم حكم عليه بالإعدام، فهرب إلى كوبا وشارك في الثورة الكوبية إلى جانب فيدل كاسترو وارنستو شي غيفارا.


لقاء مع الإعلامي جميل ضاهر


ماذا عن مشاريع البيت المستقبلية؟

البيت هو نقطة انطلاق فحسب. أنوي ترميم كل البيوت القديمة في الشارع ليتحول الى حي تراثي بامتياز. كذلك، اسعى الى توسيع النشاطات لتشمل الضيع المجاورة لشبعا، لنضيء على أهمية هذه المنطقة المهملة والغنية بالتراث والتاريخ. قد لا تصدقين، ولكن غالبية من يتواصل معي بغية زيارة البيت يسألني: "شبعا مش محتلة"؟ شبعا لبنانية، محررة وآمنة، وما زلنا نطالب بالمزارع المحتلة. وعلى المدى القريب، احضر لنشاط المشي في الطبيعة "hiking" لمسافة 7 الى 10 كيلومترات في الوادي الذي يعرف بـ"درب المسيح"، الذي كان يسلكه المسيح من كوكبا باتجاه جبل التجلي في جبال حرمون في شبعا. كما يمكن زيارة كنيسة "مار جرجس" أقدم كنيسة في المنطقة، وعمرها أكثر من 800 سنة وتحتوي على ايقونات قيمة جدّاً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.