مايا الخوري

باسم رزق: الحداثة لا تعني إلغاء نفسنا

12 حزيران 2021

02 : 00

باسم رزق موسيقي لبناني إنطلق منذ 25 عاماً من مسارح أوروبا حيث عزف آلة العود منفرداً. حائز ماجستير في الموسيقى من فرنسا، وتخصص في المقامات الهندية وتأليف الموسيقى التصويرية في أميركا. ورغم مسيرته المميزة، ظلّ بعيداً عن الأضواء حتى تقديمه الموسيقى التصويرية لمسلسل "أسود". في حواره مع "نداء الوطن" تساءل رزق عن مصير الهوية والجذور في ظل ما يسمّى بالتحديث في الفنّ.

وجّهت نداءً بحقّ من يلغي الهوية الفنية العربية من دون أن تسمّيه من قصدت بمنشورك؟

لا تقتصر المشكلة على أفراد بل هي أعمق من ذلك بكثير. قد تبدأ من السياسة وصولاً إلى الفنّ. نشعر بمخطط إنطلق منذ 10 سنوات لإلهاء العالم العربي بسخافات وحروب ومشاكل يقف الزمن عندها، خصوصاً أن الفنان يجمّد أبحاثه فلا يلجأ الى التطوير والتحديث بل يبحث عن أشياء إصطناعية كالاستنساخ والتقليد.


هل يكفي التعبير عن رأي أو إطــــــــلاق موقف ما لتحقيق التغيير؟


ما من شكّ في أن إبداء رأيٍ فردي لا يكفي، وصوتي وحده لن يحقق التغيير، إنما ما يحصل غير مقبول ولا يمكن السكوت عنه. صحيح أننا نعيش في عصر السرعة، لكن هل يمكن أن نرضى بما نسمعه عبر الإذاعات؟ كنّا يافعين ومراهقين أيضاً، لكنّ ذوقنا الفنّي لم يكن سيئاً كما نراه اليوم. أحمّل المسؤولية لشركات الإنتاج، لأن الجمهور يتلقّف ما نقدّم ويعتاد عليه. أدخلونا منذ 10 سنوات في نظام يقتصر إهتمام الناس فيه على المأكل والمشرب، وينتمي الفنّ فيه إلى الملاهي والسهر، والدليل ما نسمعه اليوم من أغانٍ تحاكي هذه الفئة.


الفنان يتأثر ببيئته ومحيطه ألا ينعكس الوضع المعيشي الصعب على نوعيـــــة عمله؟


لا ينتمي الفنان برأيي إلى بيئة محددة، لأنه قادر على عزل نفسه أينما وجد ولديه عالمه الخاص، المختلف عن أسلوب حياته الإجتماعية. إنّ الفنان الصحيح والمتمرّس هو المالك لخلفية ثقافية عميقة، لأن الفن عامةً يحتاج إلى تعمّق ثقافي متواصل. صحيح أن الوضع المعيشي صعب إنما لا تأثير له في نوعية المنتج الفنّي. فإذا أردت تقديم أغنية للسيدة ماجدة الرومي مثلاً، أستطيع تنفيذ عملٍ متكاملٍ، أقل كلفة من أغنية فنان صاعد. للأسف ما نشهده أخيراً إسترخاص في الفنّ حيث يطلّ موسمياً عدد من الفنانين الجدد، كلّ أرخص من سواه في المضمون الذي لا ينقصه سوى الشتائم. هذا الفنّ الرخيص معيب جداً.


يعتبر البعض مزج الثقافتين العربيــــة والغربية حداثة لماذا تتهمـــــــه بإلغاء الهوية؟


تحديث الفكر العربي والفكر الفني العربي لا يعني إلغاء نفسنا. للحداثة أربابها، وهي قائمة على منهج حديث يتضمن علماً. صحيح أنني تخصصت في آلة العود إنما لا يشبه عزفي العزف التقليدي المصري أو المدرسة الشامية، لقد اعتمدت أسلوباً عصرياً من دون إلغاء المقامات العربية، مع إدخال تقنية البيانو والغيتار. لاحظت بعد دخولي الوسط الفني أن من يقدّم أغاني تتضمن آلات موسيقية معدودون على الأصابع، وأوّلهم الفنان وائل كفوري المحافظ في التوزيع الموسيقي على الآلات الموسيقية، فهو لا يقبل اللجوء إلى الأصوات الإلكترونية الغريبة التي انتشرت في أغاني الراب الأجنبية، لكنها رائجة للأسف في الأغاني اللبنانية، فيما لا نسمعها في الأغاني المصرية مثلاً التي لا تزال أصيلة تعتمد على الآلات في التوزيع الموسيقي.



كيف ترى المستقبل إذاً في ظلّ هذا الواقع؟

مقبلون على مزيد من الانحطاط الفكري. الثقافة والفنّ والموسيقى واجهة الوطن، وهي في اللاوعي نتاج ما نشأنا عليه وتأثرنا به. من هنا محافظة الجيل الذي تخطى الأربعين على الأصالة وتعبيره عن عدم رضاه مما يحصل، فيما اعتادت الأجيال الأصغر الاستسهال وعدم تقدير ما لديها.


لاقت موسيقى "أســـود" التصويرية نجاحاً كبيراً، ما أهمية هذا النــــــــوع الموسيقي؟

لم تكن الموسيقى التصويرية الجيّدة متوافرة في لبنان سابقاً علماً أنها ترفع المسلسل 40%. على شركة الإنتاج التي تموّل مسلسلاً أو فيلماً أن تسعى لتقديم عمل نوعي بالبحث عن الأشخاص المناسبين، إنما المحسوبيات تؤدي دوراً كبيراً في هذا المجال أيضاً. لم يكترث أحد سابقاً للموسيقى التصويرية أو يحفظ إسم مؤلف موسيقي لأن بال الجمهور بالنجم. ما حصل معي في "أسود" قلب المقاييس، لأنني حققت نجاحاً كبيراً لافتاً. والدليل ردود فعل الجمهور عبر "تويتر" و"إنستغرام". أصداء العمل رائعة خصوصاً أننّا سجّلنا الموسيقى مع أوركسترا عالمية بكلفة عالية تحمّلت جزءاً منها لتحقيق هدفي.


عند تأليفك الموسيقى التصويرية هل تأخذ في الاعتبار الشخصيــــــات أم الأحداث؟

أقرأ المسلسل كله مراراً ثم أحدد الجوّ العام، وأتعرف الى هوية الشخصيات لانتاج موسيقى خاصة. هذا النوع من التأليف ممتع على قدر صعوبته، لذا جميل نيل التقدير على المجهود والتعب.


ما رأيك بأداء فنانين نجوم لـ"تترات" المسلسلات والأفلام؟

لا مانع في ذلك وهو يصب مادياً في مصلحة المنتج، لأن الفنان بذلك يسوّق للمسلسل بنفسه قبل عرضه. من جهة أخرى، يحكم الجمهور على العمل عبر "التتر" الجميل، وهذا يصب أيضاً في مصلحة المنتج وفريق العمل، كونه يضمن الاستمرارية شرط محافظته على المستوى.


ألا تخشى التكرار لوفرة المسلسلات؟


أولاً، أحرص على الإلتزام بمشروع واحد. ثانياً، على الصعيد الشخصي أنا "نبع" من التأليف. لا إهتمام آخر في حياتي سوى تأليف الموسيقى والإبتكار. الفنان الخلاّق نادر، لأن التخصص الأكاديمي يختلف عن الإبتكار والخلق. قد يكون الموسيقي عازف بيانو شاطراً، يقرأ نوتةً فيمتهن التعليم الأكاديمي. وهناك المؤلف الجيّد وليس بالضرورة عازفاً جيّداً. المؤلف الخلاّق في عزف الآلة يتميز في مجال محدد كالموسيقي جهاد عقل عازف آلة الكمنجة. أضع نفسي في إطار الموسيقي المبتكر الذي لا يتوقف عن تثقيف نفسه. لديّ الكثير من الأفكار، وأرى نفسي في سنّ النضج والعطاء، لذا من المفترض ألا أهدأ عملاً إنما للأسف نحن مجبرون على الهدوء بحكم واقع البلد. لدي طاقة كبيرة وأطمح لترك بصمة عالمياً ولي محلّياً، لأن لا أحد يقدّر الفنانين في بلدي.

ما هي مشاريعك المقبلة؟

أعمل على وضع لحن أغنيتين تجاريتين سأوقعهما باسم "الباسم" لأنني سأفصل بين الأعمال التجارية التي أكون راضياً عنها بنسبة 30%، والأعمال المتكاملة التي تحمل اسمي الكامل، الذي تعبت عليه طيلة 28 عاماً.

لماذا اتخذت هذا القرار؟

عادةً عندما تتواصل شركة إنتاج مع موسيقي يكون الهدف إضفاء لمسته وبصمته على العمل، فليدعوني إذاً أضع لمستي الخاصة على الأغنية بدلاً من فرض رأيهم عليّ، فتلك دكتاتورية وليست فناً. إنهم يبحثون عن شيء معاصر من دون فهم معناه الحقيقي. من قال إنه لا يمكنني عزف موسيقى معاصرة على آلة العود من دون اللجوء إلى الأصوات الإلكترونية؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.