"نثر حب" في زمن الركام مع "الأوركسترا الشرق – عربية"

3 دقائق للقراءة

في ظل الأوضاع الراهنة واستمرار آلة الحرب والدمار في إلقاء ظلالها القاتمة على مدننا، تأتي الموسيقى لتعيد صياغة الهوية وتنتزع الحياة من براثن الموت. "نثر حب" أمسية موسيقية لـ "الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق- عربية" بقيادة المايسترو أندريه الحاج، دعت إليها رئيسة "المعهد الوطني العالي للموسيقى" المؤلفة الموسيقية هبة القواس، كإعلان عن عودة الحفلات بعد توقف أشهر بسبب الحرب، في تجسيد حيّ لإرادة الصمود العميقة الكامنة في وجدان الشعب اللبناني.

وقد جاءت توليفة "الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية" في هذه الأمسية خاليةً تمامًا من الآلات الإيقاعية بمثابة ميثاق احترام صامت ومراعاة قصوى للوضع العام الراهن، ونأيًا بالحفل عن أجواء الصخب والفرح التقليدية التي لا تتناسب مع لحظات الوجع والفقد التي يمر بها الوطن.

افتتاحًا قالت القواس: "كما الجندي لا يُنزل بندقيته في الحرب، كذلك الموسيقي لا يُنزل آلته"، معلنةً انطلاق الأمسية كفعل حياةٍ يومي ومقاومة حضارية لا تستسلم للركام، مضيفةً: "اخترنا للحفل عنوان "نثر حب"، وهو عنوان يحمل رمزية عميقة في هذا التوقيت، أردنا من خلاله أن ننثر الحب في مواجهة كل هذا الكره الذي يحيط بنا، وفي وجه هذا الموت السائد، وضدّ كل المحاولات التي تسعى إلى إيقاف نبض الحياة بالقوة في بلادنا... مقطوعة "نثر حب" هي اللبنة الأولى في برنامجنا لليلة، وهي من أعمال الموسيقار الراحل الكبير وليد غلمية، ومنها تحديدًا اقتبسنا عنوان حفل عودتنا، في مفارقة نعلن فيها استمرار العطاء بينما الحرب ما زالت مستمرة".

وتحت قبّة "الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى" في بيروت، تحوّلت الموسيقى إلى مساحة تأمُّل نقي وصلاة روحية صامتة، قادها المايسترو القدير أندريه الحاج. وجاء البرنامج بمثابة مدوّنة روحية صيغت بذكاء لتواكب تطلعات العودة.

افتُتحت الأمسية بمقطوعة "نثر حب" للمؤلف الراحل وليد غلمية، كتحية لروحه ومنطلقًا لبث رسالة السلام الموسيقية في وجه الدمار. وتوالت الأعمال، فقدمت الأوركسترا مقطوعة "المهاجر" لطوني عنقة لتلامس غربة الروح، تلتها المسحة الرومانسية الشجية في "عازف الليل" للكبير الياس الرحباني. واستمر برنامج التأمل مع الموشح التراثي "لمّا بدا يتثنى" بإعداد توفيق الباشا، تلاه عمل "تفاريح" كتحية إجلال للفنان الراحل أحمد قعبور. لتعود الأوركسترا وتبحر في عوالم زياد الرحباني عبر "آثار على الرمال" التي تركت آثارها في النفوس، ثم رائعة زكي ناصيف "يا عاشقة الورد"، التي لبست حلّة من الجمال التعبيري العميق تماشيًا مع هوية الحفل. وقبل الختام، تجلّى مناخ الخشوع التام في مقطوعة "سكون" من مؤلفات أندريه الحاج نفسه، لتشكل ذروة المناجاة التأملية، تلتها مقطوعة "البحّارة" لمارسيل خليفة المفعمة بروح المواجهة والإبحار ضد التيار، لتُختتم الرحلة برائعة "درب الصيادي" لأنطوان فرح، تاركةً خلفها نداءً حيًّا بالرجاء والقيامة.