مايا الخوري

الفنّان التشكيلي برنارد رنّو: الإنفجار والحريق لن يوقفا إنتاجي

16 حزيران 2021

02 : 00

38 عاماً من العطاء الدائم تحوّل ركاماً مرّتين في عام، مرّة إثر إنفجار 4 آب، وأخرى بإندلاع حريق مجهول المصدر في محترف "آثار الشرق". رغم جرحه الكبير وخسارته لجنى العمر، وقف الفنان التشكيلي برنارد رنّو صامداً فوق الرماد، ينفض وجعه، ليحلّق مجدداً سفيراً للفنّ والجمال في رحاب الوطن والعالم.

بعدما سقطت لوحاتك نتيجة إنفجار 4 آب، وقفت مجدداً لإكمال المسيرة فنشب حريق ضخم قضى على محترفك في الجميزة، كيف تخطيت الأزمتين؟

ما حصل في 4 آب، لم ولن يُنتسى أبداً من قبل اللبنانيين جميعهم لأنه دمّر العاصمة. سبّب هذا الإنفجار ضرراً في محترفي: ضبيه حيث تكسّرت الواجهة الزجاجية، والجميزة حيث سقط المبنى بأكمله على شرفتي، فأُتلفت لوحات ومنحوتات كثيرة، وشُلّعت الأبواب والنوافذ والجدران. أمام هول هذا المشهد شعرت بالإحباط، لكنني صبرت وتحمّلت الوضع. بعد 6 أشهر من محاولة ترميم اللوحات المتضررة ورفع الردم من المحترف وتجديد الشرفة، نشب الحريق في 8 حزيران قاضياً على كل المحتويات. عندما علمت بالحريق، هرعت الى المكان وفتحت الباب قبل رجال الإطفاء، فاحترقت يداي وشعري وتأذيت جسدياً. إستمرّت عملية الإطفاء 4 ساعات متتالية خسرت في خلالها 1700 لوحة ومنحوتة وفق تقديري الأولي.

محترف "آثار الشرق" بعدما قضت عليه النيران


ألم تستطع إحصاء نسبة الضرر بعد؟

ممنوع لمس الأغراض في المحترف حتى إنتهاء التحقيق وكشف التحرّي عن أسباب الحريق.

الضرر معنوي وجسدي ونفسي في آن، كيف ستقاوم للاستمرار؟

لقد ترمّد المحترف في الجميزة، لكنني سأستمر عبر المحترفيْن الآخريْن، في دير القمر وضبيه، لن أستسلم بل متفائل في استمرارية وجودي الفنيّ في لبنان. لقد تأذيت كثيراً مما حصل، خصوصاً أن تاريخي في الجميزة يعود إلى 36 عاماً، انتميت خلالها إلى جمعية إنماء الجميزة ودرج الفنّ ونظّمت المهرجانات وكنت ناشطاً في جمعية الأشرفية 2020. لذلك حزنت لخسارتي تاريخي، ولاحتراق وثائق وكتب ومطبوعات لخّصت رحلاتي الفنية حول العالم والمهرجانات والحفلات التي شاركت فيها.

رغم كل هذه الخسارة الماديـــــــــــــــة والمعنوية لا تزال صامداً ومؤمنــــــــــاً بالنهوض والاستمرار.

لطالما عشنا في لبنان مقاومة في الحروب والسلم ومن أجل الحياة. يقاوم الوطن كله اليوم ليعيش، يُخيفوننا من الفقر والجوع ويقبضون على أموالنا، لكنني متفائل بأنه مهما إختربت الدنيا سننهض مجدداً. بعدما نهضنا أخيراً، سقطنا سقطة قويّة بسبب إنفجار 4 آب، لكننا سننهض أيضاً. رغم أنني تأذيت جسدياً ونفسياً ومادياً بسبب الأزمتين، لكنني ما تأذيت فنياً، وطالما أن يدي وعقلي وريشتي موجودون سأقوم مجدداً. وسأعلن في 4 آب المقبل أن الإنفجار والحريق لم يوقفا إنتاجي أبداً. وأدعو الإعلام والجمهور إلى تنظيم نشاط في المرفأ أو في أي مكان آخر، أرسم في خلاله على المسرح لوحة جدارية تعبّر عن إرادة صمود "محترف آثار الشرق" الذي أسسته منذ 40 عاماً في الجميزة، بعد إنفجار 4 آب والحريق الأخير.

لوحة بريشته


بما يتميّز محترفا دير القمر وضبيه عن "محترف آثار الشرق"؟

هما منظّمان ومتطوّران أكثر، يتضمنان لوحات كثيرة بفضل مساحتهما الواسعة. يلومني بعضهم لوضعي لوحاتي ومنحوتاتي في موقع واحد، لكن أين يمكنني توفير مكان لإنتاج وفير؟ في ظلّ ظروف إقتصادية صعبة لا أستطيع في خلالها تأمين موقع أكبر أحفظ فيه أعمالي.

عادة تدعم الدول المتحضّرة المتاحف الفنية والفنانين، خصوصاً إثر حوادث مماثلة، كيف تفاعلت الجهات الرسمية اللبنانية مع الخسارة التي ألمّت بك؟

عندما شاركت كضيف شرف وناقد فني في معارض عالمية جلت على كواليس المتاحف حيث يحفظون اللوحات غير المعروضة موضّبة بشكل موثّق ومسيّجة بالحديد. إن المتاحف العالمية مدعومة من دولها. بينما الفنان اللبناني غير قادر أحياناً على تأمين المواد الأولية لإعداد اللوحة خصوصاً في ظل الأزمة الإقتصادية الراهنة. شخصياً، أنا متهوّر في الألوان وفي نوعية المواد المستخدمة في اللوحات، لذا لا أفكّر بالكلفة، بل بإنجاز عمل نوعي. من جهة أخرى، إتصل بي معالي وزير الثقافة معرباً عن أسفه لما حصل بمحترفي، لكنه أبلغني صراحة أن وزارة الثقافة غير قادرة على التعويض المادي. لست ممن يستجدي المساعدة، لذا إن أحبّ أحدهم دعمي، أفضّل أن يكون ذلك عبر شراء لوحاتي أو عرضها في مزاد علني، أو التداول بها لكنني أرفض أي مساعدة مشترطة تحوّلني إلى مرتهن. لن أقبل إلا بدعم يحفظ كرامتي بعد سنين طويلة من خدمة لبنان وحمل راية الفنّ.

يمكن تعويض أي خسارة مادية عادية، إنما كيف تُعوّض الخسارة الفنيّـــــــــــــــــة المماثلة؟

يجب ألا يفكّر الإنسان بالماديات، على الأقل الفنان. لا تهمّني المادة أبداً عندما أرسم لوحة جدارية مباشرة على المسرح أمام الجمهور، لا يكون ذلك مقابل بدل مادي، كما أرفض بيع اللوحة بسعر رمزي بدل مشاركتي، لأن "برنارد رنّو" ببساطة ليس للبيع. أضع المادة لخدمتي لا العكس. لهذا السبب أشتري موادي الأولية وعدّتي بنوعية مناسبة لإنتاجي مهما كانت الكلفة مرتفعة ومهما كان الوضع الإقتصادي صعباً لأن اللوحات موقّعة بإسمي.


اللبناني يقع، يقف، يلملم جراحــــــــــه، يرمم ما يستطيع ويكمل طريقه بما تبقّى لديه، أي لوحة يمكن أن تجسّد إرادة الحياة لديه؟

برأيي اللبناني ليس العامين المنصرمين، بل هو 8000 سنة حضارة، هو العراقة والأبجدية. نحن سقطنا بسبب السياسة. لقد إعتدنا على الفن والجمال والحياة والسياحة والسفر والعلم والثقافة. لقد عانى العالم أجمع إقتصادياً هذا العام، لكننا إضافة إلى الضربة الإقتصادية عانينا من أزمة مصرفية. رغم ذلك لا أرى اللبنانيين في حال حداد إنما في فترة تحضير لعرس كبير، هم متعبون ومنهكون في التحضير لكنها ستُفرج في النهاية وسنصل إلى برّ الأمان، شرط أن نحب بعضنا البعض كما أغنية "فيروز" المحبة التي جسّدتها في لوحة. أرفض السوداوية ورسم البشاعة، لذا حين أرسم السواد في الأسفل ينبثق في الأعلى وهج نورٍ وسنابل قمحٍ مع الأرزة وعلم لبنان. رغم أنني محترق حالياً، إلا أن في داخلي نظافة، لأنه يجب ألا نستسلم ونُبقي الأمل دائماً. وها هو الفنان يستخدم الألوان لأنها إنعكاس للنظافة في داخله.

ما رأيك باللوحة الجدارية التي نُفّذت في المرفأ؟


أحببت تلك اللوحة الجميلة، لكنني أفضّل لو لم تكن منخفضة وطويلة من دون تنسيق في الألوان والفكرة. هي تعبير فردي عفوي، بأسلوب شخصي لكنها ستحتاج مع الوقت إلى معالجة لأنها ستتعرض بسبب موقعها للتلف من قبل السيارات والمارة. لقد نفّذت جدارية السلام في شرم الشيخ التي تضمنت فكرة موحّدة بين المشاركين متناسقة الألوان، على مرتفع، لئلا يتلفها المارة لذا أتمنى لو نفّذت الجدارية في المرفأ بأسلوب مماثل.

عبّر اللبنانيون المقيمون والمغتربون عن تضامنٍ كبير معك ماذا تقول لهؤلاء؟

محبّتهم سندي. لقد كانوا عزائي في الأسى وقد ساعدني دعمهم لأتخطى جروحي ما أعطاني زخماً بالصمود والإستمرار. لقد تفاجأت بهذه المحبة لذا أشكر كل من دعمني في لبنان والخارج. لطالما كنت في خدمة لبنان وهكذا سأبقى دائماً.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.