لم يعرف اللبناني قلقاً على مستوى معيشته كما في هذه الايام، وفي الشهور الخمسة القادمة، إذ بات مهدداً في البقية الباقية من وجوده، في عملته الوطنية.
ففي سنوات الحرب المضنية، لم تعرف الليرة ما تعرفه، اليوم، من تهديدات تطاول سعر الصرف، بل أكثر من ذلك: التهديد بتفليسة الدولة، وهو ما لم تواجهه الدولة ابداً، منذ تفليستَي السلطنة العثمانية.
هذا يترافق مع ضمور في الودائع، واختلال فادح في ميزان المدفوعات، وتراجع قوي في إنتاجية القطاعات المنتجة.
هذا تاجٌ منقّطٌ بعلامات العار والفشل الذريع للفئات الحاكمة منذ اتفاق الطائف.
بل هو أقل من تاج بكثير؛ هو ما كان يوضع فوق رؤوس الراسبين في الصفوف الابتدائية...
فكيف إذا كان الرسوب شراكةً في الغش، في شفط مصادر مالية الدولة من رؤوسها الكبيرة (المتعايشة، المتواطئة في ما بينها)، حتى أبسط عاملٍ في إدارة عامة، الذي ينهب الموظف الآخر، الذي ينهب بدوره غيرَه في إدارته او في بلديته...
ولو جمعنا الدَين العام (أكثر من مئة مليار دولار) بمجموع إنفاق الوزارات على مشاريعها منذ "اتفاق الطائف" (مئات المليارات) لوجدنا - من دون أن نكون مدققين ماليين حاذقين - أن مجموع الإنفاق يفوق بنسبٍ مرعبة ما جرى تنفيذه على الأرض. هذا يعني حصول السرقات الموصوفة...
إلا أن الغريب أن الجميع يتحدثون عن ان التفليسة... وشيكة، ويشيرون الى جهة متموقعة ضد جماعتهم على أنها أصل الفساد.
ولو جرى جمع هذه التهم المتبادلة لجمعنا حاصل "الفساد الوطني" وهدرِ الأموال التي يتم "تبييضها" بمعنى ما. ومن يتشاطر أكثر من غيره، يعمد إلى سحب كميات من ودائعه، ويحتفظ بها في بيته، ما يزيد من دون شك في تفاقم الأزمة، طالما ان الثقة بالعملة جزء من عافيتها.
هكذا لا نجد سوى قلة قليلة معنية فعلا بالخطر الداهم، فكيف إن كان الخطر يتمثل، عند المتظاهرين، في معاشهم او تعويضهم او مستحقاتهم، من دون غيرهم....
ألا يعود هذا كله إلى أن الدولة باتت الأضعف بين الجماعات، وأن حاميها... حراميها، وأن الحس او الشعور الوطني بات واهياً ومتراجعاً للغاية؟
ألا يحق لي أن أتساءل: لماذا نسمي هذه العملة بالوطنية؟ ولأي شعب؟