يصعب عليّ أن أجد، في القصيدة الفرنسية، خطاباً عن "فرنسا"، مثلما اجد عن "لبنان" منذ ثلاثينات القرن الماضي مع سعيد عقل، أو عن "العراق" في شعر محمد مهدي الجواهري ثم بدر شاكر السياب وصولاً إلى سعدي يوسف وغيرهم.
يصعب عليّ ان أفسر كيف ان القصيدة العربية باتت "حديثة"، وكيف ان الحداثة يمكن ان تعني التعبيرات الجماعية والاناشيد القومية والهتافات السياسية التحريضية.
يصعب علي ان أفسر كيف ان شاعراً يُنعت بالحديث، فيما يكتب (مثل ادونيس): "لغمُ الحضارة هذا هو اسمي"...
يصعب عليّ ان استخرج الكلام الإيديولوجي من الكلام الشعري، حيث يحل عالي الكلام بدل التحاور الانساني، والجمهور بدل القراء المختلفين، ومشاعر التحريض والتأليب والحض محل تعبيرات الود والشهوة والرقة والانفراد بالنفس...
يصعب علي ان أرى الشاعر من دون وجه، من دون صورة، إذ له، في هذه الحداثة المرفوعة في الخطاب والاعتقاد، ان يكون أشبه بآلهة الجاهلية المعبودِين: يصنعونهم بأيديهم، ويتضرعون إليهم.
فهو النجم، لا الصوت الخفي في الكلام.
هو المعبود، لا المتمايل في غموض الكلام واحتمالاته.
لهذا لا أجد قراء، أو متابعِين، لهذا الشاعر أو ذاك، إلا بالقدر الذي جعلوا منه "زعيماً"، و"نبياً"، وكاتباً "معصوماً" من الزلل والخطأ...
يصعب علي أن ارى، في هذه الحداثة المزعومة، غير الصوت العالي والصاخب،
غير الغنائية المطلوبة ذات التراكيب المكرورة عن الوطن والنفي والشكوى...
هذا ما يُنشئ اجتماعيةً للشعر، ذات تلاوين ومرغوبات تقليدية، عدا انها تتشبه او تتماهى (من حيث تقصد او لا) بالجالسين فوق عروشهم، أو خلف مكبرات الصوت في الغناء الجماهيري.
هكذا يَخرج الشاعر من كتلة الجمهور الهلامية، ليكون لساناً إيديولوجياً باسم الجماعة، لا القارئ؛ باسم القضية، لا الألم؛ باسم المنفى، لا النفس في وحدتها.
هكذا تكون لـ"الحداثة" شؤون وتجليات تقنية وحسب في بناء القصيدة، فيما تصب وتنهل من مصادر جماعية، إيديولوجية وتقليدية.