شربل داغر

التنافس المزعوم بين القصيدة والرواية

دقيقتان للقراءة

هناك في التقليد الفرنسي ما يسمى بـ"رواية المحطة"، اي محطة القطار.

ويُقصد بها نوع روائي خفيف، ويدور زمناً تبعاً لرحلة القطار نفسها.

لقراءة رواية من هذا النوع، تكفي رحلة من ساعات قليلة.

ولو عاد المتابع الى تقاليد اخرى، سابقة، لوجد في فرنسا وموسكو وغيرهما تقليداً اخر، يقضي بنشر الرواية "متسلسلة" في جريدة، ما يصلح في قطار، أو في قراءة الرواية مع جريدة وقهوة الصباح. وهو التقليد الذي بدأ منذ العام 1859 في بيروت مع الروائي والناشر خليل الخوري، في "حديقة الأخبار"، والذي اشتهر خصوصا مع روايات نجيب محفوظ في "الاهرام".

في الإمكان ذكرُ وقائع أخرى تفيد عن انتشار الرواية في أوسع وسائل النشر والتواصل. وهو ما تأكد وذاع بقوة جماهيرية مزيدة مع اعتماد الشاشة الكبيرة، والشاشة الصغيرة، في أحوال كثيرة، على الرواية والقصة والقصة القصيرة مادة منعشة لسيناريواتها ومسلسلاتها.

هذا ما يماشي، إذاً، أوسع النشر، كما يحاكي وينخرط في وقائع التاريخ والانسان والمجتمع مثل "مرآة عاكسة"، كما وصفها الروائي الفرنسي هونوريه دو بلزاك.

هكذا ضاقت حياة الشعر فيما كانت تتسع اجتماعية الرواية...

هذه هي الأسباب البعيدة، والتي راحت تتنامى مع الأسباب القريبة، حيث إن الرواية باتت وسيطاً تداولياً يطاول فئات اجتماعية متعددة ما لا يقوى عليه الشعر بطبيعة الحال، إذ إنه اشتغالٌ تعبيري جمالي عال في اللغة وبها، فلا تقوى الاستعارة بالتالي على منافسة ما هو اخباري وممتع في السرد، الذي عرفته الشعوب والثقافات منذ اساطيرها وحكاياتها وأمثالها وغيرها.

لهذا يتعايشان، الشعر والسرد، ويتنابذان، ويتفاعلان، لكنهما مختلفان مثل الفارق في الرياضة بين لعبة يُسمح فيها اللعب باليد (كرة اليد)، وأخرى اللعب بالقدم (كرة القدم)، فيما تمنع القدم في الاولى، واليد في الثانية.

لهذا فإن التنافس مصطنع بينهما، فهما فنان مختلفان وجمهورهما مختلف هو الآخر.