تزداد الأدلة التي تؤكد على ارتباط أمراض اللثة بزيادة خطر الإصابة بمشاكل صحية أخرى، على غرار ارتفاع ضغط الدم. تذكر مراجعة جديدة الآن أن خطر ارتفاع الضغط يتفاقم كلما زادت حدّة مرض اللثة!
وفق "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها"، يصاب 47.2% من الناس في عمر الثلاثين وما فوق بنوع من أمراض اللثة، ويتعرض 32% من مجموع الراشدين لارتفاع ضغط الدم.
قد تبدو الحالتان غير مرتبطتَين بأي شكل، لكن تكشف الدراسات الجديدة رابطاً مثيراً للاهتمام بينهما. بناءً على مجموعة من الأدلة، تؤكد المراجعة الأخيرة على زيادة احتمال ارتفاع الضغط لدى المصابين بالتهاب دواعم السن (نوع متقدم من أمراض اللثة).
نُشِرت نتائج الدراسة في مجلة "أبحاث أمراض القلب والأوعية الدموية"، وذكرت أن زيادة حدة التهاب دواعم السن تعزز مشكلة ارتفاع الضغط.
يوضح المشرف الرئيس على الدراسة، فرانشيسكو دي أوتو، من معهد "إيستمان" لطب الأسنان التابع لجامعة "كوليدج لندن" في بريطانيا: "قد يكون ارتفاع الضغط مسبباً للنوبات القلبية والجلطات الدماغية لدى المصابين بالتهاب دواعم السن. رصدت الأبحاث السابقة رابطاً بين هذا الالتهاب وارتفاع الضغط، وذكرت أن معالجة الأسنان قد تُحسّن الضغط. لكن تبقى النتائج غير جازمة حتى الآن".
راجع الباحثون في الدراسة الجديدة أدلة مطروحة في 81 دراسة من 26 بلداً وحللوها. فتبيّن أن متوسط ضغط الدم الشرياني يميل إلى الارتفاع لدى المصابين بالتهاب دواعم السن.
في التفصيل، بلغ الضغط الانقباضي (مستوى الضغط خلال ضربات القلب) 4.5 ملم زئبق، والانبساطي (مستوى الضغط بين الضربات) 2 ملم زئبق، لدى المصابين بأمراض اللثة مقارنةً بالآخرين.
تقول الدكتورة إيفا مونيوز أغيليرا التي شاركت في الإشراف على الدراسة: "هذه الاختلافات ليست ضئيلة. يمكن ربط أي ارتفاع في الضغط بمعدل 5 ملم زئبق بزيادة خطر الوفاة بنسبة 25% بسبب النوبات القلبية أو الجلطات الدماغية".
كذلك، رصد الباحثون رابطاً بين التهاب دواعم السن المعتدل أو الحاد وزيادة مخاطر ارتفاع الضغط بنسبة 22%، وربطوا الحالات الأكثر حدة بزيادة الخطر بنسبة 49%.
يضيف دي أوتو: "لاحظنا رابطاً خطياً بين العاملَين، ما يعني أن مشكلة الضغط تتفاقم مع زيادة حدة الالتهاب". يجب أن يعرف المصابون بأمراض اللثة إذاً حقيقة المخاطر التي يواجهونها، ويتلقوا التوصيات اللازمة لتعديل أسلوب حياتهم وتجنب ارتفاع ضغطهم عبر ممارسة الرياضة مثلاً أو تبني حمية صحية.
أراد الباحثون أيضاً أن يستكشفوا أي أدلة على وجود رابط بين معالجة التهاب دواعم السن وتراجع ضغط الدم. لا تزال الأدلة المتعلقة بهذا الموضوع غير جازمة، فقد اكتشفت خمس دراسات فقط من أصل 12 في المراجعة أن معالجة أمراض اللثة تُخفّض الضغط.
يوضح دي أوتو: "ثمة رابط متواصل على ما يبدو بين صحة الفم وضغط الدم، ما يعني أنه قائم عند الحفاظ على صحة جيدة أو الإصابة بالأمراض. لا تزال الأدلة المرتبطة بانخفاض الضغط بعد معالجة مشكلة اللثة غير مؤكدة. في جميع الدراسات تقريباً، لم يكن ضغط الدم نتيجة أولية. لذا تبرز الحاجة إلى إجراء تجارب مبنية على عينات عشوائية لاكتشاف أثر معالجة التهاب دواعم السن على ضغط الدم".
الالتهاب... حلقة مفقودة؟
يظن الباحثون أن الالتهاب قد يكون العامل الكامن وراء الرابط الغامض بين صحة الفم والقلب والأوعية الدموية. وفق نظريتهم، ربما تطلق جراثيم الفم المسؤولة عن أمراض اللثة ذلك الالتهاب، ويزيد هذا الأخير احتمال ارتفاع الضغط في المقابل. تتعلق تفسيرات أخرى بوجود خصائص وراثية محددة أو التعرض لعوامل خطر مرتبطة بالتهاب دواعم السن وارتفاع الضغط معاً، مثل عادة التدخين أو البدانة.
يقول دي أوتو: "في عدد كبير من البلدان حول العالم، لا يراقب الناس صحة فمهم بانتظام ولا يعالجون أمراض اللثة قبل مرور سنوات. وفق فرضية شائعة، تُعتبر التهابات الفم المنهجية والاستجابات للجراثيم من أهم عوامل الخطر المؤثرة".
ورغم الافتراض القائل إن التهاب دواعم السن عامل خطر للإصابة بارتفاع الضغط، قد يكون الرابط صحيحاً في الاتجاه المعاكس أيضاً، ما يعني اعتبار ارتفاع الضغط جزءاً من عوامل الخطر المُسببة لأمراض اللثة.
في النهاية، يدعو دي أوتو إلى إجراء أبحاث إضافية للتأكد من زيادة احتمال الإصابة بأمراض اللثة لدى المصابين بارتفاع الضغط. في مطلق الأحوال، يجب أن يتلقى هؤلاء المرضى التوصيات اللازمة للحفاظ على صحة فمهم.