عبده وازن

بيروتشيما

3 دقائق للقراءة

نسيم البحر يهبّ على مرفأ بيروت

ينسلّ بين الخرائب حاملاً إليها قليلاً من ملح

يتهادى فوق حطام المعدن والألمنيوم

بين بقايا جدران ومخازن

 جرّدتها النار من روحها.

 نسيم البحر يهبّ عالياً قليلاً

يتوه بين أطلال الجميزة ومار مخايل

بين أحياء الأشرفية

يصعد الأدراج الحجر القديمة

ثمّ ينحسر حزيناً

مثل بيروت التي فقدت

وجهها الأزرق للحين

التي فقدت عينيها

لحظةَ انبثق الشهب الاحمر

وهبّ الدخان الأبيض ثمّ البرتقالي ثمّ الأسود.

راحت المدينة تتساقط بجدرانها وسطوحها القرميد

وفي الفضاء ترتسم نبتة فطر ضخمة

من غمام النيترات والامونيوم

ماحيةً وجه السماء

ماحيةً خط الأفق عند الغروب.

 

السادسة إلا ثوانيَ

التمعت السماء وأبرقت

ثم دوّى انفجار

الغيوم المتجمّعة فوق المرفأ غطّاها دخان

ثم انبثقت ألسنة جحيم

الأرض كأنما انشقّت

كأنّ زلزالاً أطبق على وجهها

رعد وبرق ومطر من النيترات

مطر من الأمونيوم

مطر من زجاج

من نثرات زجاج

من شظايا زجاج

أبنية وبيوت تتهاوى

ركام فوق ركام فوق ركام

ركام فوق بشر فوق ركام

هيروشيما بيروتشيما

المستشفيات تلفظ أحشاءها

مستشفيات الساحل والضواحي

تقذف أشباه بشر

لم تبق أسرّة فيها

لم يبق شاش ومصل ومطهرات

الأروقة تلطخت بالدم

جرحى ينوحون في الهواء الطلق

يحملون جروحهم بحثاً عن فراش

عن ممرضة أو طبيب

الفتاة ألكسندرا ماتت تحت لوح الزجاج

الفتاة بيسان سقطت تحت سقف التنك في الكرنتينا

أطفال ولدوا للتوّ غطّى الدم والغبار وجوههم

في المرفأ عمال قضوا تحت جدران الإهراءات

تحت وابل حبات القمح

يسوع على الصليب ينظر إلى السماء المكشوفة

بعينين حمراوين

الموتى الراقدون استيقظوا لحظة ثمّ رقدوا

أيقونات سقطت ارضا وصلبان

 بيروت بيريت

بيريتيس بيريتوس

بيروتا بيرووة باروت

كأنّ قدرك أن تواجهي الموت

بعينين بارقتين

عقداً تلو عقد

قرناً تلو قرن

كأنّ تاريخك موت وموت

طائر الفينيق سقط عند شاطئك

وسيزيف تهاوى عند أسفل أهراءات قمحك.

نسيم البحر يهب فوق أشلاء

تبحث عن اصحابها

فوق أناس فُقدوا تحت دفق الحجارة

يعبر بدفئه بين الاحياء المكشوفة

بين الأبنية والبيوت التي طارت سقوفها.

الأشرفية لم تنم ولا الجميزة

لم ينم أحد هنا

سهروا جميعاً تحت ضوء القمر

منتظرين شروق شمس آب

ليبدأوا نهاراً أولّ من شقائهم

نهارا أولّ من روزنامة الأسى

من ساعة جدار تتدلّى على بقايا جدار (...)

مقتطف من قصيدته التي ترجمها انطوان جوكي الى الفرنسية