تُعتبر السباحة في مياه باردة آمنة بشكل عام، لكن يجب أن يتوخى البعض الحذر...
لا أحد يسترجع نشاطه وطاقته بقدر من يغطس في محيط أو بحيرة أو أي نوع من المياه الباردة، لا سيما وسط حرارة الصيف الخانقة. حتى أن مجموعة نادرة من الناس، وعلى رأسهم عدد من محبي الرياضات المتطرفة، تشارك في مسابقات سباحة في مياه جليدية خلال فصل الشتاء.
يؤكد البعض على المنافع الصحية للغوص في مياه باردة، منها خسارة الدهون، وتحسين النوم، وتخفيف الالتهابات، ومن المعروف أن هذه العوامل تنعكس إيجاباً على صحة القلب والأوعية الدموية. لكن لا تزال الأدلة المرتبطة بهذه المنافع سطحية حتى الآن.
يقول طبيب القلب آرون باغيش، مدير مختبر أداء القلب في مستشفى "ماساتشوستس" العام التابع لجامعة "هارفارد": "نحن نفهم جيداً الآثار الجسدية الفورية للغوص في مياه باردة. لكن لا تزال الأبحاث التي تحلل النتائج الصحية الناجمة عن التعرض المتكرر للمياه الباردة محدودة. يستطيع معظم الناس الذين يستمتعون بالسباحة في مياه باردة القيام بهذا النشاط بكل أمان، شرط أن يسبحوا دوماً مع شريك آخر. لكن من الأفضل أن يتجنب المصابون بأي خلل في إيقاع القلب الغوص في مياه باردة".
استجابة الغوص
حين تُنزِل وجهك في المياه، لا سيما المياه الباردة، ترسل المستقبلات العصبية في الأنف والفم إشارة إلى الدماغ لإبلاغه بأنك متواجد في المياه. ثم يُبلِغ دماغك جسمك بإعادة توزيع الدم من الأطراف (الذراعان والساقان) نحو الصدر والدماغ لحفظ الأوكسجين. تُسمّى هذه الظاهرة المعروفة "ردة فعل الغوص" أو "استجابة الغوص"، وهي تؤدي إلى تباطؤ القلب بدرجة كبيرة وارتفاع ضغط الدم. لكن قد تكون هذه التسمية خاطئة لأن ردة الفعل الحقيقية تحصل على سطح المياه ولا تتطلب الغوص بالضرورة. في مطلق الأحوال، تزيد قوة استجابة الجسم كلما زادت برودة المياه.
وحتى لو لم تُنزِل وجهك بالكامل، تطلق صدمة المياه الباردة على بشرتك استجابة "الهرب أو المواجهة" في جسمك. ثم يرتفع مستوى الأدرينالين بدرجة فائقة ويؤدي إلى تضيّق الأوعية الدموية التي تغذي البشرة. هذه العملية تحافظ على الحرارة لكنها تُحوّل كميات إضافية من الدم نحو الصدر، ما يؤدي إلى إجهاد القلب.
مخاطر على إيقاع القلب
يعطّل فائض الأدرينالين إيقاع القلب الثابت. لا يطرح هذ الوضع مشكلة إذا كان القلب سليماً. قد يعطي الفرد غير المعتاد على المياه الباردة ردة فعل مبالغاً فيها في البداية، لكنه يتكيف مع الوضع مع مرور الوقت. حتى أن الحرارة التي يعتبرها الناس باردة قد تختلف من شخص إلى آخر.
يوضح باغيش: "أتلقى أسئلة كثيرة دوماً حول حدث السباحة السنوي في المياه الباردة في بوسطن. وحدهم المصابون بخلل في إيقاع القلب، مثل الرجفان الأذيني، يجب أن يمتنعوا عن هذا النشاط. أحياناً، قد تؤدي استجابة الهرب أو المواجهة واستجابة الغوص إلى ظهور مشكلة كامنة مثل عدم انتظام ضربات القلب".
برودة بسيطة أم فائقة؟غالباً ما تُعتبر حرارة 21 درجة مئوية مناسبة. لكن تنطبق هذه الدرجة على الهواء، لا المياه. بشكل عام، تتراوح حرارة أحواض السباحة بين 25 و27 درجة مئوية، ما يساوي حرارة المياه على طول شواطئ فلوريدا في شهر آب. لكن تكون شواطئ الساحل الغربي أكثر برودة بكثير. في جنوب كاليفورنيا، تقتصر حرارة المحيط الهادئ على 20 درجة خلال الصيف. في معظم الحالات، تُعتبر أي حرارة تحت عتبة 21 درجة مئوية باردة نسبياً. لكن لا يمانع محبو السباحة في المياه المفتوحة الحرارة الباردة، مع أن بعضهم يرتدي ملابس غوص مصنوعة من مطاط النيوبرين حين تصبح الحرارة أقل من 18 أو 15 درجة مئوية.
لكن تبقى هذه المستويات معتدلة مقارنةً بمعظم مسابقات الغوص في مياه متجمدة، علماً أنها عادة شائعة في يوم رأس السنة في مجتمعات عدة. في مسابقة ميناء بوسطن (إنه نشاط تقليدي منذ العام 1904)، تقتصر الحرارة على 5 درجات مئوية.
طريقة لكبح الالتهاب؟
لا أحد يعرف بعد مدى تأثير السباحة في مياه باردة على الالتهابات المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية. لكن غالباً ما يغوص الرياضيون في مياه مثلجة بعد حصة الرياضة مباشرةً لتخفيف التهاب الأنسجة والإصابات الناجمة عن التمارين المكثفة. يسمح البرد بانقباض الأوعية الدموية في الأطراف، ثم يؤدي تراجع تدفق الدم إلى تخفيف حدة الالتهابات. قد يكون هذا الأثر موقتاً، لكنه حل ممتاز لتخفيف الانزعاج العضلي في اليوم التالي.