كما كان مقرراً خضع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قبل ظهر أمس لجلسة استجواب أمام المحامي العام التمييزي القاضي جان طنوس، كمشتبه به في جرائم تتصل باختلاس وتبييض الأموال والتزوير والإثراء غير المشروع والتهرب الضريبي. وامتدت الجلسة التي حضرها سلامة في غياب وكيله، بسبب اعتصام نقابة المحامين 3 ساعات وقد "رحّل الإستماع إلى عدة جلسات متتالية بسبب ضخامة الملف"، بحسب مصادر متابعة.
بغض النظر عن النتيجة التي سيخرج بها القضاء اللبناني بعد التحقيقات والإستماع إلى الشهود وأخذ الإفادات، سواء كانت في حفظ الملف بسبب عدم توفّر أسباب الإتهام أو الإدعاء، "من المهم التمييز بين الدعاوى المرفوعة في أكثر من بلد على الحاكم وترابطها مع بعضها البعض"، يقول رئيس الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين المحامي كريم ضاهر. فـ"الدعوات المرفوعة في سويسرا بحق الحاكم بقضايا اختلاس وتبييض أموال ترتكز على طلب التعاون القضائي مع لبنان وفقاً لمعاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد"، يقول ضاهر، "فاذا حفظت الدعوى في لبنان إنطلاقاً من أنه لا يوجد أساس للملاحقة بالجرائم المالية، يمكن لسويسرا إقفال الملف والإقتناع بحجة القضاء اللبناني ونقص الأدلة الناتجة عن الجرم الأساسي، أو الإستمرار بالدعوى إذا وجدت أسباباً أخرى تتعلق بالدعاوى المرفوعة لديها بعيداً من السلطات اللبنانية". والفرق في الحالتين كبير، بحسب ضاهر. فـ"في حال استقلال التحقيقات في سويسرا عن السلطات اللبنانية وعدم أخذ الأخيرة صفة الإدعاء الشخصي أو المطالبة بحفظ واسترداد حقوقها، عندها لا يعود هناك حق للبنان بالمطالبة بالأموال المأخوذة من غير وجه حق في حال إثبات التهم أو الإدانة. وتستأثر الخزانة السويسرية بهذه الأموال بدلاً من أن يستفيد منها لبنان لتقليص الفجوة النقدية الناتجة عن الأزمة، كما وللتعويض على المتضررين من أعمال الفساد".
أما في فرنسا فان مسار الدعوى مستقل كلياً عن القضاء اللبناني. وهي لم تقم بدعوى من الدولة اللبنانية بحق الحاكم لكي تسقط في حال جرى حفظ الملف محلياً. بل هي ترتكز على إخبار، رأت فيه النيابة العامة المالية مكونات جدية لفتح تحقيق، ليتم من بعده تحويل الملف إلى نفس القضاة المحققين الذين حققوا بالإدعاء على كل من رئيس الجمهورية الفرنسية السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزارء السابق فرنسوا فيون، وتوصلوا إلى إدانتهما"، يقول ضاهر. و"كي لا يفهم الموضوع بشكل خاطئ بسبب التضليل في الكثير من المواقع الإعلامية فان الدعوى في فرنسا ليست موجهة بحق الحاكم حصراً، إنما بحق مجموعة من المسؤولين السياسيين والمصرفيين الذين يطلق عليهم إسم جمعية الأشرار association de malfaiteur". أما التركيز على الحاكم فلكونه يمتلك أصولاً وعقارات كثيرة في فرنسا. وعليه فان مسار التحقيقات في فرنسا سيستكمل بحق الحاكم وسواه من المنظومة (أفراد من السلطات التشريعية والتنفيذية والمالية وأصحاب مصارف)، الذين تسببوا بصورة مباشرة وغير مباشرة بالانهيار الحاصل ومترتباته على الشعب اللبناني في خلال السنوات الثلاث المنصرمة. وذلك بغض النظر عما يمكن أن يتوصل القضاء اللبناني إليه من قرارات.
في بريطانيا ما زالت القضية في مرحلة تحقيق قد تؤدي إلى دعوى بحق الحاكم.
وبرأي ضاهر فان فتح ملف الفساد المترابط والمتصل بين أركان من المنظومة، يشكل فرصة للقضاء اللبناني لاظهار استقلاليته ومصداقيته. أما في حال تمييع الملفات وإقفالها وعدم التوصل إلى نتائج مرضية فليست سمعة لبنان ما سيتأثر فحسب، إنما خزينته أيضاً نتيجة عجزه عن استرداد الأموال المنهوبة.
وعن تأثير إقفال الملفات على الدعاوى المقامة في الخارج يلفت ضاهر إلى أن "الدول الاجنبية ليست غريبة عن أورشليم"، بايحاء منه إلى أنها تمتلك معلومات تفصيلية عن الهدر والفساد في لبنان. وبرأيه فإن "فشل القضاء في متابعة ملفات الفساد والوصول بها إلى النهاية يحوّل لبنان من دولة هشة إلى دولة فاشلة ومارقة".