رفيق خوري

إنهيار ونظام إقليمي والمافيا تتوهم البقاء

3 دقائق للقراءة

مؤتمر باريس يعيد التذكير بصورتين في مشهد سوريالي وتراجيدي معاً:قادة العالم يقدمون مساعدات إنسانية للبنانيين من خارج مؤسسات السلطة"الفاسدة"، ويطالبون"الطبقة السياسية التي ساهمت في تعميق الازمة"بإيجاد حل للأزمة، حسب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. و"القادة اللبنانيون"الذين دعاهم الرئيس الأميركي جو بايدن الى"إجراء الإصلاحات ومكافحة الفساد وتأليف حكومة"يتبارون في دفع لبنان واللبنانيين الى قمة البؤس السياسي بعد الإقتصادي. والمبلغ الذي جمعه مؤتمر باريس370مليون دولار، أقل مما نهبه مسؤول لبناني واحد في المافيا السياسية والمالية والميليشيوية المتسلطة. ومسرحية البحث في تأليف الحكومة مستمرة منذ سنة تبدل خلالها ممثلون، وبقي التعطيل ناجحاً على أيدي ممثلين لبنانيين ومخرج إقليمي.

ذلك أن البحث عن حكومة يدور خارج هموم اللبنانيبن، ويدار كأن لبنان ليس في إنهيار يتسارع. شيئ من جدل بيزنطي حول جنس الوزارات. وشيئ من مبارزة في حقوق الطوائف وصلاحيات الرئاسات تشرف عليها القوة المذهبية الاكبر على سطح سفينة تغرق. وأقصى التفاؤل هو الرهان على"صيغة تسوية"بين حكومة ترضي"محور الممانعة"وتخدم مشروعه الإقليمي وتتوجه"شرقاً"وحكومة إنقاذ للبنان ترضي العرب والغرب وتفاوض صندوق النقد الدولي. والكل يعرف، أن الإنهيار تجاوز أية حكومة ولو تألفت. فالمافيا المتسلطة تقف بقوة ضد الإصلاحات لانها تضرب مصالحها. ومن دون إصلاحات، لا مساعدات سياسية وإقتصادية ومالية كما قيل لنا على مدى عام. فكيف إذا صار لبنان مجرد ورقة في لعبة المفاوضات النووية المتعثرة بين أميركا وإيران؟وكيف إذا كان مصير لبنان مرتبطاً بالنظام الإقليمي الجديد الذي يعاد تشكيله بمزيج من الصدام والتسوية بين الكبار الدوليين والإقليميين؟نظام يأخذ الكثير من الوقت وسط التعقيدات في العراق وسوريا واليمن وليبيا وتونس كما في الدور الإيراني والدور العربي والدور التركي والدور الإسرائيلي في ظل الدورين الروسي والأميركي؟

لا أحد يعرف إن كان لبنان سيصل قطعة واحدة الى غرفة العمليات في النظام الجديد. والمخيف هو تصرف المافيا المتسلطة كأنها باقية ولن تتأثر بإنهيار البلد. لا بل تبدو واثقة من تصورها ومن أن قوة العصبيات الطائفية والمذهبية التي هي رأسمالها أقوى من قوة الإنهيار، وتصف الذين يحذرون من أن الإنهيار يجرف الجميع بأنهم يعيشون على الأوهام.

يفغيني بريماكوف الذي كان مراسل"البرافدا"في بيروت والقاهرة أيام السوفيات ثم رئيس الإستخبارات ورئيس الحكومة الروسية أيام الرئيس يلتسين يعرفنا جيداً. وما يقوله في مذكراته تحت عنوان"في قلب السلطة"هو"أن المشكلة الأعظم بالنسبة الى العرب هي العجز عن التمييز بين الوهم والواقع، فهم يعتقدون أنه يكفيهم أن يتمنوا سير الأمور في اتجاه معين لكي تكون سائرة في هذا الإتجاه". وهذا ما نحن فيه. أولاً كعرب. وثانياً كمتأثرين بالفرس.