كشف بحث جديد أن جهاز المناعة لا يتجاوب بالمستوى نفسه في أوقات مختلفة من اليوم، ما يعني أن ساعة الجسم قد تؤثر على الآليات المرتبطة بالمناعة. تشير إيقاعات الساعة البيولوجية، أو "ساعة الجسم" كما يسمّيها الناس عموماً، إلى أداة تلقائية يستعملها الجسم لتعديل الآليات البيولوجية، مثل الجوع والحاجة إلى النوم، بما يتماشى مع إيقاعات طبيعية متنوعة، على غرار دورة الليل والنهار. تنظّم ساعات الجسم أيضاً آليات أخرى "ذاتية القيادة"، منها التنفس، خفقان القلب وحرارة الجسم. يعرف الباحثون أصلاً أن إيقاعها يؤثر على جوانب مختلفة من الآليات الجسدية الداخلية. لكنهم لا يعلمون بعد إلى أي حد تنعكس هذه "الساعات" على راحتنا العامة. تتقاسم جميع الثدييات هذا النوع من الساعات البيولوجية. لذا استعان فريق من الباحثين في "معهد دوغلاس للصحة العقلية" وجامعة "مونتريال" في كندا بنماذج من الفئران لاكتشاف طريقة تأثير ساعة الجسم على استجابة المناعة. فاكتشفوا أن الخلايا المناعية التائية CD8 التي يستعملها الجسم لمحاربة الالتهابات والأورام السرطانية تعمل بدرجات مختلفة من الفاعلية وفي أوقات متنوعة من اليوم. نشر الفريق نتائجه في مجلة "بناس".
استعمل الباحثون مجموعتين من الفئران. فهندسوا وراثياً المجموعة الأولى عبر تعطيل جينات تتولى تنظيم إيقاع الساعة البيولوجية، وتركوا الجينات تنشط طبيعياً في المجموعة الثانية. ثم أعطوا لقاحاً للقوارض في المجموعتَين معاً لإطلاق استجابة مناعية.
يقول نيكولاس سيرماكيان، أحد المشرفين على الدراسة: "من خلال استعمال اللقاح على نموذج من الفئران، لاحظنا أن قوة الخلايا التائية CD8 اختلفت بحسب التوقيت بعد تلقي اللقاح. لكن تعطّل إيقاع الساعة البيولوجية لدى الفئران حين افتقرت خلاياها إلى الجينة المرتبطة بساعة الجسم، فتراجعت الاستجابة تجاه اللقاح نهاراً نتيجةً لذلك".
ألمحت الدراسات السابقة إلى تأثير التوقيت على تكاثر الخلايا المناعية، بما في ذلك الخلايا التائية. لكنها لم توضح أن ذلك الأثر ينجم عن مفعول الساعة البيولوجية. من خلال استعمال فئران مُهندَسة وراثياً وأخرى عادية، تأكد الباحثون من دور ساعة الجسم في تنظيم فاعلية الاستجابات المناعية. لكن لا يزال المسار الكامن وراء ذلك الدور غامضاً.
توضح ناتالي لابريك التي شاركت في الإشراف على الدراسة: "تثبت دراستنا أن الخلايا التائية تصبح أكثر نشاطاً في أوقات محددة من اليوم. من خلال تحديد الآليات التي تستعملها الساعة البيولوجية لتعديل استجابة الخلايا التائية، سنفهم العمليات التي تنظّم تلك الاستجابة بطريقة مثالية. تسمح لنا هذه المعلومة بتحسين استراتيجيات التلقيح وعلاجات السرطان المناعية".
يذكر الباحثون في تقريرهم أن هذه الدراسة والأبحاث اللاحقة قد تسمح للعلماء بتطوير مقاربة تلقيح تأخذ في الاعتبار التوقيت المناسب من اليوم لتحسين فاعلية اللقاح لأقصى حد.