شربل داغر

بين الرواية والحكاية

دقيقتان للقراءة

تحققتُ، منذ اشتغالي على الرواية العربية الاولى، وهي للبناني خليل الخوري: "وَيْ. لستُ بإفرنجي" (1859-1860)، من كونها تجمع بين الحكاية والرواية (في صيغتها الفرنسية المحدثة).

هذا الحاصل الدراسي اتحقق منه، بعد انقضاء اكثر من مئة سنة ونصف المئة، في عدد بالغ من الروايات العريية الحالية.

قد يدافع عن هذا الأمر روائيون ودارسون معاصرون للسرد، على اساس ان الحكي اساس في تراث السرد العربي.

وهو قول غير مناسب، إذ إن الحكي ملازم لكثير من تقاليد السرد في العالم، مع ان لشهرزاد، بوصفها وظيفة بنائية في الحكي، ألمعية وتقدماً وبروزاً على غيرها.

اما تعويل روائيين عرب معاصرين على الحكي، فلا يعدو كونه التخفف من مستلزمات السرد الحديث، او الاكتفاء بالقليل منه.

هذا ما يَظهر في جوانب وتشكلات سردية متعددة : في الفوارق بين المؤلف وبين السارد، بين السارد المعلن والسارد الضمني والسارد الكتابي (الذي ادافع عن وجوده، ولو بشكل خفي)، في رسم الشخصيات وبنائها، في رسم شبكات السرد ومآلاته...

الا ان الكلفة الباهظة لعدم التمرس بأساليب السرد الحديث تتجلى في ابتعاد روايات وروايات معاصرة عن "ادب السرد"، او عن السرد بوصفه من صنيع الادب مثل القصيدة وغيرها.

فهواة الحكي في الرواية، وغيرهم ايضا، يكتفون بالخبر، كما كان يسمى قديماً، من دون ان يكون له بالتالي قوام ادبي.

فما جعل فلوبير او فولكنر او كونديرا يتميزون، لا يتعين في حكيهم (وهو قليل ومقتضب)، وانما في جعل خبر الجريدة البسيط رائعة ادبية، غير قابلة للاختصار، ويزول سحرها بمجرد حكيها.

لهذا فإن الحديث عن "نجاحات" الرواية العربية، وعن ترجماتها "المفروضة" (من قبل جهات عربية) الى لغات اجنبية، لا يلغي كونها تفتقر الى مقومات فنية عديدة. وهذا يعني ان "توطنها" في الادب العربي لا يزال طري العود، ولا يملك تماما مقومات البقاء والتجدد.