بشير عصمت

على هامش الجميزة: المسألة ليست بالتفاصيل بل بالقناعة بطي صفحة الحرب

11 آب 2021

02 : 00

انشغلت وسائل التواصل الاجتماعي وقيادات الحزبين المعنيين في حادثة الجميزة، بالبحث عن المسبّب المباشر، من بدأ العنف؟ وهل كان استفزازاً مدبّراً ام هو كمين مسبق التحضير؟

وقد عنونت نصّي كذلك لتظهير أن لا معنى عميقاً للتحريض الآني الذي مارسه حزبا "القوات" و"الشيوعي"، في واقعة العنفين المادي واللفظي.

لا شك أن بين الحزبين ماضياً من الخصومة وحاضراً من المنافسة القائمة المستكملة للخصومة السابقة، وذلك ليس حال هذين الحزبين الاثنين فقط في لبنان، فهذه حال معظم من كانوا حلفاء، او في صف واحد. فعلاقات كل القوى يسودها اليوم حال من الجفاء والتشلّع في داخل اغلبها، وانتهى زمن اللقاء بين القوى على قاعدة المبادئ، الى زمن اللقاء على قواعد المصالح المباشرة. ويمكن عدم استثناء "القوات" و"الشيوعي" من هذه القاعدة، فإذا كان كلاهما قائلاً بفساد الطبقة السياسية، غير ان كلاً من الحزبين يعزو الى نفسه الغضب القائم على الطبقة الحاكمة والانتفاضة والتفافها حوله والقول بإطلاقها. ولا تخلو المنافسة القائمة بين كل القوى من وجود من حسموا موقعهم بتفرّدهم بمبدئية اسطورية مفاجئة، وآخرين حائرين بين تموضع في كنف حزب متمكّن او طائفة ما، او عدم القطع مع سيبة السلطة، مع تضييق في هوامش الجذريين من قوى الاعتراض، وتغيب الافكار التي ترى الراهن وتسعى الى انقاذ طارئ للبلاد الآيلة الى الذوبان من شرك الصراع الاقليمي والدولي.

دون شك بين الحزبين تمايزات فكرية عميقة في المطلق ونقاط تلاق ممكنة، ان حسنت النوايا. فالحزب "الشيوعي" الاممي العقيدة هو في تأسيسه اللبناني حزب كياني، ومن ابرز شعاراته المؤسسة "لبنان وطن حرّ سيّد مستقلّ" مركز اشعاع حضاري الى البلدان العربية الشقيقة، وجوهر نضاله من أجل "وطن حرّ وشعب سعيد". وتحرص الادبيات الاولى للحزب على عدم نسخ اي تجربة انما التعاطي مع الواقع ومصالح الشعب اللبناني. وبديهي القول ان المبدئية تلك جعلته عابراً للطوائف والمناطق حتى الطبقات الاجتماعية. غير ان هذا الالتزام الوطني في المبدأ لم يحل دون تأييده وتضامنه مع قوى صديقة له حول العالم، كما لم يحل دون تورّطه في حرب اهلية والاستقواء بالسلاح الفلسطيني "لتحرير فلسطين" من دون الاخذ بالاعتبار احتمال ضياع لبنان، وهذه مسألة خلافية داخلية عميقة تبدأ بمطالبة غالبية الشيوعيين عامة بمراجعة نقدية لكل تاريخ هذا الحزب، ولا تنتهي بتمنّع القيادات المتعاقبة منذ جورج حاوي عن اجرائها.

دون كثير استطالة، لا شك ان المعارضين، وهم غالبية جسم هذا الحزب، وُضعوا على جنب، طرداً واقصاء، ومن بقي في الداخل هو خافت الصوت. يدور الخلاف في الجو الشيوعي بين تجديد ولبننة وعودة الى اصول تأسيس الحزب ونقده وتطويره واستقلالية الحزب والبلاد.

وهنا لست بوارد التطرّق الى الفكر الماركسي واحاديته واحواله بعد انهيار الاتحاد السوفياتي المتواجدة في كتابات اخرى.

في المقابل، كنت اتوقّع من سمير جعجع الافصاح عن مضمون لقائه بجورج حاوي وتوافقه معه، لا العودة الى فكرة زيادة نشاطية الشيوعية في حالات تعثر احوال الدول والشعوب والتخريب، وكذلك التمييز بين تصوير الشيوعيين كأجسام غريبة عن البلاد وبين من يريد دولة ومن يريد استمرار الصراع، والاشارة الى الاستمرار في اجترار مفاهيم سبقها الزمان، كما الاعتراف ان هناك منافسة بين القوتين وتفهّماً انه لا يمكن لـ"القوات" بمفردها إحداث التغيير المنشود للطبقة السياسية. كذلك الاعتراف انه يمكن الافادة من غضب الناس الذين تكتّلوا في اطر مختلفة ضدّ الفساد. ورغم الاجماع على حسن اداء وزراء ونواب "القوات" لا تزال صورة "القوات" بحاجة الى جهد كبير للوصول الى ما ترغب به قوات اليوم.

جملة من المبادرات قامت بها "القوات "تعبّر عن قطيعتها مع الحرب، غير ان ذلك لم ينعكس لدى جمهور الشباب الملتحق بـ"القوات" بعد الحرب رغم الجامعة الشعبية والخطاب المنفتح.

في المقابل، كانت الطامة الكبرى في الردّ الساذج من حنا غريب الذي لم يترك تهمة او شعاراً من شعارات التعبئة والتحريض بالحرب الاهلية لم يلصقها بسمير جعجع و"القوات اللبنانية" كأننا في 1975، وكأن القاموس لم يتجدّد ولم يلحظ واقع حال شعبنا. كم كان بودّ شعبنا سماع تهم أخرى جديدة، كل ذلك بدون ادراك او قراءة المستجدّ في خطاب "القوات" اعتبار ان المشكلة الحالية في البلاد هي استمرار للحرب الاهلية التي لم يقيّم فيها اداء "الشيوعي". "لن اسأل عن سبب انهاء حنا مذابح مع آخرين ببوسة لحية"؟ من دون كل هذا التجهم. يمكن تفهّم اصابة مازن ابو زيد المناضل الحق ( له الشفاء العاجل) وردّ الفعل عليها، ورفع معنويات الجمهور الخاص بالحزب، اما القول بالعمالة والفاشية فلا معنى له، الا يملك الرفيق الامين العام مصطلحات اكثر حداثة وعصرية؟ أليست اصابة مازن ورفاقه ناتجة عن سوء ادارة وسوء توجيه وقلة تثقيف وتوعية بل من تضليل في الوعي الحزبي بعكس ما هو مطلوب لانقاذ كامل البلاد. هل قضية الشيوعي في التظاهرة هي التضامن مع ذوي الضحايا ام اتهامات آتية من زمن الحرب؟

كنت اتوقع "كما يفعل الكبار" ان تكون الحادثة فرصة لاستكمال حوار بدأ لا لحلف. وما معنى وجود قوة سياسية في ذروة أزمات البلاد لا تحاور الجميع؟

لا مكان في هذا الحيز لتظهير سوء تصرّف هذه القيادة اكثر ولا فراغ جعبتها من المنطق والارتهان والانحياز. لا تغضب رفيق حنا، عد الى نقاشاتنا الشفهية الطويلة تجد كل ما ورد اعلاه. هل سمعت بالمؤتمر الوطني الذي كان الشيوعيون من مؤسسيه ولولبه زمن الاستقلال ومن بينهم فرج الله الحلو؟ هل تعلم ممّن كان يتشكّل؟ هل ما بين "الشيوعي" و"القوات" أشدّ ايلاماً ممّا بين "المردة" و"القوات"؟ ترى لدى الطرفين التقليديين غير الثوريين المتصارعين الجرأة لإنهاء الحربين الخاصة والعامة بينهما، التي للأسف لم يظهر الحزب الثوري قدرة على امتلاكها.

كلمة اخيرة الى "القوات"، وقد اصبحتم قوة شعبية وبرلمانية كبيرة، من غير الجائز ولا من الناجح ان تعملوا للتغيير بمفردكم، ولا يفيدكم ان تكون رجل في الفلاحة واخرى في البور. هل التغيير الذي تنشدون يكون بأفضل من ملحم خلف نقيباً للمحامين، أو من عارف ياسين نقيباً للمهندسين وكان افضل لكم بكثير تأييد النقابيين المستقلين في انتخابات رابطة اساتذة الجامعة على التمنّع عن الترشيح والذهاب جميعاً لانتخاب مرشحي السلطة التي تشتمون فسادها ليل نهار.

ليكن حادث الجميزة فرصة للتلاقي وحوار الاحزاب وينصرف "الشيوعي" لفتح اعادة تقييم الموقف والعمل المشترك الواعي لوقف تفتّت وتحلّل البلاد، وهذه مسؤولية كبرى. فـ"القوات" و"الشيوعي" ليسا من اصناف ديناصورات مجهولة، وعلى "الشيوعي" ان يظهر للرأي العام انه لم يعد ذلك الحزب الذي لا يزال يعيش زمن الحرب الاهلية.

المسافة بعيدة بين الحزبين ولا يمكن الحديث عن تقارب بل على الاقلّ يمكن ازالة ذيول حرب انتهت ولن تعود. على ما يظهر يبدو ان معظم القيادة الحالية لـ"الشيوعي" لم تعرف بما نقل جورج حاوي الى حزبه عن لقائه مع سمير جعجع وأنه كان المبادر الأول لانهاء الحرب والمصالحة والمطالب بين قلّة بالافراج عن سمير جعجع.

لا اعلم ان كان هناك بعد من مكان للعقل في كل هذا الذلّ والاهانة والعصفورية.

ليس الزمن زمن فتح حسابات الماضي بل زمن الاتفاق على انقاذ البلاد.

ان انتفاضة الغضب ليست من صنع اي من القوتين، انما من صناعة السلطة الفاسدة. واذا كان من فعل ايجابي فهو دعم التجمّعات المعارضة وتشجيعها، لا محاولات اجتذابها والسيطرة عليها.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.