كيف غزا الأخطبوط البشرية؟

7 دقائق للقراءة المصدر: Le Monde
في ظل تفاقم الأزمة البيئية، أصبح الأخطبوط كائناً مبهراً بمعنى الكلمة. بعدما كان هذا الحيوان يحمل صورة مرعبة في مخيلة البشر، بات اليوم معروفاً بذكائه وقدرته على التعايش مع الطبيعة.

تعرّض جيمس ريد لإرهاق شديد بسبب عمله المكثّف وبات بأمسّ الحاجة لمن يُوجّهه. شعر مخرج الأعمال الوثائقية المتعلقة بالحياة البرية بالتعب نتيجة تصوير الأفلام وعجزه عن الاعتناء بابنه، وكأنه متفرّج خارجي يشاهد العالم وهو يمرّ أمامه. حصل ذلك بعد العام 2010 حين كان يحاول اكتشاف معنى وجوده، فلجأ إلى الشغف الذي يشعر به منذ الطفولة تجاه الغوص. حين كان يتنقل بين غابات أعشاب البحر تحت المياه، قابل مرشداً غريباً ثم اتخذت حياته منحىً غير متوقع. بدأ ريد يشعر بأنه يعود إلى الحياة تدريجاً، وراح يعبر المسارات مع أخطبوط صغير ولطيف. يقول ريد: "شعرتُ بأن هذا الكائن مميز جداً ويستطيع تعليمي درساً مهماً. كان يستعمل حِيَلاً معينة. فخطرت على بالي فكرة جنونية: ماذا لو قصدتُ ذلك المكان كل يوم... كل يوم بلا استثناء"؟

هذا ما فعله ريد في المرحلة اللاحقة، فكان يحمل معه كاميرا الفيديو التي يملكها طوال الوقت. يروي الفيلم الوثائقي My Octopus Teacher (معلّمي الأخطبوط)، الذي شاركت بيبا إرليش في إخراجه وعرضته شبكة "نتفلكس" في العام 2020، قصة مُلهِمة ومقصودة عن لقاء بين إنسان لا يملك ما يتمسك به في الحياة وأخطبوط بأذرع متعددة.

وقع ريد في غرام كائن متصالح بالكامل مع بيئته. يروي المخرج هذه القصة بصوته، فيقول: "لقد علّمني أن أشعر بأننا جزء من هذا المكان وأننا لسنا مجرّد زوار". فاز فيلمه بجائزة أوسكار عن فئة أفضل فيلم وثائقي في 25 نيسان، وهو يشكّل دعوة للاعتراف بوجود أشكال أخرى من الذكاء. عند مشاهدة هذه الصور المشحونة عاطفياً، لا يمكن التشكيك بأن هذا الكائن الحذق ذا الأذرع القوية يجيد خوض الألاعيب ووضع الاستراتيجيات. تزداد أهمية هذا الذكاء الحيواني لأن الأخطبوط الصغير يضطر لتعلّم كل شيء بنفسه ومن دون اكتساب المعارف الاجتماعية الطبيعية غداة نفوق والدته بعد إنجابه بفترة قصيرة.

يقول عالِم الأعصاب والفيلسوف جورج شابوثييه، كاتب Sauver l'homme par l'animal (أنقذوا الإنسان عبر الحيوان): "في زمن جول فيرن، كان الأخطبوط يُعتبر وحشاً شريراً لأن شكله مختلف جداً عن البشر وكان يوحي بالرعب. لكننا ندرك اليوم أنه قريب منا أكثر مما كنا نظن. تبرز منذ الآن قواسم مشتركة على مستوى الكفاءة والرؤية والتفاعل. يستطيع الأخطبوط أن يفتح الأواني ويحقق هدفه عبر الانعطاف واستعمال جوز الهند كدرع له. كنا نظن لفترة طويلة أن الذكاء امتياز للفقاريات، لكن يدعونا الاستنتاج القائل إن القدرات المعرفية المعقدة يمكن تطويرها لدى جماعات أخرى إلى إعادة النظر بأفكارنا".

يواجه هذا الحيوان ذو الدم الأزرق التحديات في عالمٍ يلتقي فيه الواقع بالخرافات، وهو "كائن التحولات الذي يعود للظهور حين تخاف الحضارة من انعكاسها في المرآة"، كما يقول الكاتب ومؤرخ الفن بيار بيغو في كتابه Le Chant du Kraken (أغنية كراكين). حين يدرك البشر أن نزعتهم العقلانية الطاغية تقودهم إلى الكوارث مباشرةً، ستظهر الحاجة إلى إعادة إطلاق حوار حميم مع الكائنات الحية الأخرى. لتحقيق هذه الغاية، نحتاج إلى مرشدين وكيانات وسيطة. نتيجةً لذلك، مهّد الكائن البحري الحيوي الذي طارد مخيّلة الناس في القرن التاسع عشر لظهور شكلٍ من الصداقة مع الأخطبوط.

لعقد مصالحة بين عالمَي البشر والحيوانات، أصبح صديقنا الرخوي الجديد في كل مكان فجأةً. هل هي صدفة أن نقوم بتنزيل لعبة Squids Odyssey (ملحمة الرخويات) على هواتفنا الخليوية (يكون الأبطال في هذه اللعبة عبارة عن رخويات صغيرة ومغامِرة)، أو أن نشاهد الكثيرين في مترو الأنفاق وهم يقرأون رواية L'Octopus et moi (الأخطبوط وأنا) بقلم إيرين هورتل؟ وهل هي مجرّد صدفة أن يشاهد أولادنا الرسوم المتحركة The Octonauts حيث يكون أحد أبطال القصة أخطبوطاً على شكل إنسان يعمل كعالِم محيطات؟ وهل هي صدفة أن يُجَمّل زملاؤنا رسائلهم برموز تعبيرية على شكل أخطبوط منذ أسابيع أو أن يعمل الناس عن بُعد في حانة باريسية اسمها Le Poulpe (الأخطبوط)؟

يقول شابوثييه: "من خلال التعليم، تعرّفنا في المقام الأول على الجوانب التجريدية والتكنولوجية التي نجدها في اللغات أو الرياضيات وتتولاها نصف الكرة المخية اليسرى. يتمتع البشر أيضاً بكفاءات عاطفية تدفعهم إلى التعاطف مع الغير لكننا لا نطور هذه الميزة بالقدر نفسه، وقد يكون هذا الجانب جزءاً من عيوب مجتمعاتنا على الأرجح. لكنّ جوهر الفكر الحيواني هو فكر يخلو من اللغة، أو فكر عاطفي يُفترض أن يكون جزءاً من اهتماماتنا لأنه يسمح لنا بتجديد تواصلنا والتخلي عن الإفلاس الأخلاقي لدى الجنس البشري".

اليوم، لا يُعتبر التكلم عن الأخطبوط على موقع "لينكد إن" ظاهرة غريبة، بل العكس صحيح: إنه توجّه مُلهِم، على غرار الياقة المدوّرة التي اشتهر بها الراحل ستيف جوبز في زمن معيّن. تقول كيسيليا فينك ديجو (50 عاماً)، وهي خبيرة في استشارات الأعمال التجارية: "ينتج هذا الموضوع تعاطفاً فورياً ويزيد قيمة الكلام. حين أسّستُ شركتي مع شريكي، كنا نبحث عن اسم مرتبط بالبحر. وبما أننا نمارس الغوص، بدا الأخطبوط خياراً بديهياً. لكن لا تحمل هذه الكلمة وقعاً قوياً باللغة الفرنسية. لذا اخترنا المصطلح الإنكليزي وأطلقنا على الشركة اسم Octopus Marketing (تسويق الأخطبوط). بدا لنا هذا الاسم مثيراً للاهتمام للتعبير عن شَبَهنا بذلك الحيوان الذي يملك عدداً من الأذرع لأننا، من خلال نشاطاتنا الاستشارية، نقدّم مجموعة إضافية من الأذرع لمساعدة عملائنا. وعلى غرار الأخطبوط الذي يبدو منسياً في بيئته أيضاً، أحب أن أنخرط في عمليات الشركات التي أتدخّل في عملها".

لكن ما الذي يستطيع الأخطبوط تعليمنا إياه (أو إعادة تعليمه لنا) في مطلق الأحوال؟ قد يُعلّمنا هذا الكائن أن نؤمن بكل بساطة. فيما يشاهد جنسنا البشري الطرق المسدودة دوماً، تقول الفيلسوفة فينسيان ديسريت، كاتبةAutobiographie d'un poulpe (السيرة الذاتية للأخطبوط)، إن هذا الكائن المرح يصبح سيّد الحلول بفضل "قناعة مستوحاة من أفكار فرانس كافكا ومفادها أن المَخْرَج موجود دوماً". يتمتع هذا الحيوان بنزعة مثيرة للإعجاب تدفعه إلى حب الحياة، وهي تتضح بطريقته المميزة في التعامل مع العالم بناءً على التمويه والتقليد السلوكي وعلم المراوغة. إذا بدأ الأخطبوط يكتب فجأةً، فلن يفعل ذلك بدافعٍ من طبيعته الشعرية بل نتيجة تهديد جديد يجبره على التطور.

تضيف ديسريت: "لا أكفّ عن التفكير باحتمال انقراض هذا الكائن منذ فترة، ولهذا السبب أحاول تسليط الضوء عليه بأسلوب خيالي وغير مأسوي. كيف يمكن أن نحتفظ بأثر معيّن من تلك الحيوانات التي تختفي مع مرور الأيام ولن نراها مجدداً؟ هذا السؤال يطاردني طوال الوقت". لكن تبدو قصتها الخيالية عن الأخطبوط أكثر إزعاجاً لأن فصيلة الحيوانات التي ألهمتها ليست بصدد الاختفاء على أرض الواقع. بل إن رأسيات القدم زادت بنسبة ملحوظة في آخر ستين سنة.

يستفيد الأخطبوط إذاً من القدرة التعبيرية للحبر ويغزو مجالات جديدة في كل مرة، فيتحول بذلك إلى مصدر إلهام لأجناس أخرى: إنها الكائنات التي تنتج أعمالاً إبداعية بكميات هائلة للتصدي لأي مخاوف من الانقراض... على رأسها البشر طبعاً!