تحصل هذه العملية تحديداً في منطقة الحُصين. ثمة نوعان من هذه المناطق الصغيرة في الدماغ: يقع أحدها داخل النصف الأيسر، والثاني داخل النصف الأيمن. هما مسؤولان عن التعلّم وتخزين الذكريات. تنتج مناطق أخرى خلايا دماغية جديدة أيضاً، لكن يبدو أن معظم النشاطات تحصل في الحُصين.
تكشف الأبحاث أن الحُصين يستطيع إنتاج بين 700 و1500 خلية عصبية جديدة يومياً. قد لا يبدو هذا العدد كبيراً مقارنةً بعالم الخلايا العصبية الشاسع، لكن يكون هذا العدد الصغير مؤثراً أيضاً لأنه يدعم الخلايا العصبية القائمة.
وفق بعض النظريات، قد تسمح زيادة هذا العدد عبر عملية تكوين الخلايا العصبية بتعزيز وظيفة الحُصين الأولية وتحسين طريقة اكتساب أي معلومات جديدة واسترجاع الذكريات القديمة والجديدة.
كيف تحمي نفسك من مخاطر الزهايمر؟
بالإضافة إلى الرياضة، رصدت الأبحاث رابطاً بين عوامل أخرى مرتبطة بأسلوب الحياة وتراجع خطر الإصابة بالزهايمر. صمّم الدكتور رودولف تانزي، عالِم أعصاب في مستشفى "ماساتشوستس" العام التابع لجامعة "هارفارد"، دليلاً اسمه "شيلد" لتفصيل هذه العوامل الأساسية:
النوم بين سبع وثماني ساعات: يساعد النوم الكافي الدماغ على إزالة صفائح الأميلويد وسموم أخرى، علماً أن ارتفاع مستوياتها يرتبط بمرض الزهايمر.
التحكم بالضغط النفسي: يدفع الضغط النفسي الغدد الكظرية إلى إنتاج وإطلاق كمية إضافية من الكورتيزول، ما قد ينعكس على الذاكرة والوظيفة المعرفية.
التفاعل مع الأصدقاء والعائلة: تؤدي الوحدة المزمنة إلى مضاعفة مخاطر الزهايمر وفق بعض الدراسات.
التمارين الجسدية: تسهم تمارين الأيروبيك المنتظمة في إطلاق عملية تكوين الخلايا العصبية.
تعلّم معلومات جديدة: التعلم يزيد نقاط الاشتباك العصبي (أي قنوات التواصل بين الخلايا العصبية) ويُحسّن مرونة الدماغ.
الحمية الغذائية: تسهم الأنماط الغذائية النباتية في معظمها، مثل الحمية المتوسطية وحميات "مايند"، في تحسين صحة البيئة الميكروبية المعوية التي تلعب دوراً مهماً للحفاظ على صحة الدماغ عبر المحور المعوي الدماغي، أي قناة التواصل بين الأمعاء والدماغ.
روابط جديدة
استكشف العلماء أسئلة محددة حول تكوين الخلايا العصبية. ما هي العوامل التي تنشّط هذه العملية في الحُصين مثلاً، وكيف تنعكس على الذاكرة؟ وهل يمكن تعزيز هذه العملية لتحسين القدرات المعرفية لدى المصابين بمرض الزهايمر؟
للأسف، لا تزال الدراسات البشرية حول تكوين الخلايا العصبية محدودة، وتشتق معظم المعلومات التي نعرفها عنها من دراسات حيوانية. في ما يلي المعطيات المعروفة حتى الآن وطريقة ارتباطها بالبشر.
في دراسة أشرف عليها تانزي، استعمل الباحثون الأدوية والعلاج الجيني لإطلاق عملية تكوين الخلايا العصبية في الحُصين لدى فئران أكبر سناً كانت قد خضعت للتعديل الجيني كي تصاب بمرض الزهايمر. أراد الباحثون التأكد من احتمال إبطاء المرض أو عكس مساره عبر تعزيز إنتاج الخلايا الدماغية الجديدة.
تبيّن أن وضع الحيوانات لم يتحسن. ساهمت الأدوية والعلاجات الجينية في نشوء خلايا عصبية جديدة، لكنها ماتت في نهاية المطاف، على غرار الخلايا الأخرى، قبل أن تعطي أي نوع من الآثار الدائمة. ثم لجأ الباحثون إلى مقاربة مختلفة واستكشفوا مدى قدرة التمارين الجسدية على إطلاق عملية تكوين الخلايا العصبية وآثارها الدائمة المحتملة. كان العلماء قد اكتشفوا أصلاً رابطاً قوياً بين تكثيف تمارين الأيروبيك وتحسين المزاج لدى الراشدين.
هذه المرة، أخضع تانزي وفريقه الفئران الشابة والمسنّة لتمارين منتظمة على عجلة الجري. أطلقت تمارين الأيروبيك عملية تكوين الخلايا العصبية لدى الفئران، حتى أنها زادت عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ: يؤدي هذا البروتين الدماغي دوراً محورياً في صحة الأعصاب، فيساعد الخلايا العصبية على النمو والصمود. هو أشبه بالسماد الطبيعي الذي يُستعمل لتسريع نمو بذور النباتات.
أكدت الأبحاث اللاحقة على الرابط بين التمارين الجسدية وتكوين الخلايا العصبية. تذكر إحدى الدراسات أن ذكور الفئران الراشدة التي مارست تمارين الأيروبيك طوال ثمانية أسابيع حملت خلايا عصبية في الحُصين أكثر من القوارض التي لم تمارس أي نشاطات بمرتين أو ثلاث مرات. وبالإضافة إلى إنتاج عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ، قد تسهم تمارين الأيروبيك في زيادة إنتاج أنزيم GPLD1 في الكبد، علماً أنه يشارك بدوره في تكوين الخلايا العصبية.
تمارين دماغية
رغم التوصل إلى هذه الاستنتاجات في دراسات حيوانية، يظن تانزي أن البشر قد يحصدون المنافع الدماغية نفسها بفضل تمارين الأيروبيك. في الوقت الراهن، ما من بديل عن التمارين الجسدية المنتظمة لتسهيل تكوين الخلايا العصبية. لكن لم تتضح بعد أنواع التمارين الأكثر فعالية أو مدتها المثالية ووتيرتها الكافية. إلى حين الإجابة على الأسئلة العالقة، يوصي تانزي بتخصيص بين 120 و150 دقيقة لممارسة التمارين المعتدلة أسبوعياً. سيكون أي نشاط قادر على تسريع ضربات القلب مثالياً، مثل استعمال جهاز المشي، أو ركوب الدراجة الهوائية، أو المشي السريع. باختصار، كل ما يُشغّل الجسم يفيد الدماغ!