يتوقف د. وائل خير، في كتابه: "من يدحرج الحجر؟" عند أحوال مسيحيي الشرق، فلا يحصره في نطاق الإيمان والشهادة، وإنما في الوجود الديني المتعيّن في التاريخ. ويذهب كلامه في الكتاب إلى حيث لم يتجرأ الآخرون، وهو التناول التاريخي، والمؤسساتي، طارحاً العديد من "الإصلاحات".
يستعيد خير الكلام عن استقلال الكنيسة الإنطاكية الأرثوذكسية، أي تسلّم بطريرك عربي، محلي، زمام الأمور في كرسي إنطاكية. هذا ما يسميه خير بـ"الوضع الشاذ"، وقد عنى واقعاً أن الحراك المحلي تباينَ وتفاوتَ بين ملّة وأخرى. هذا ما استلحقتْه النخب الأرثوذكسية المحلية وعملت من أجله في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر.
هكذا اكتمل بناء "الملّة" بإدارة محلية. وباتت الملّة أيضاً جاهزة للدخول في كيانات سياسية ناشئة. وهو ما لم يناسب النخب الأرثوذكسية مع تأسيس "دولة لبنان الكبير". فقد عنى اقتطاعَها عن القسم الأكبر من مؤمنيها، فيما أضحت، في الدولة الناشئة، أقل عدداً من الطائفة المارونية. لم يكن هذا الانتساب بالسهل، ولا بالمستساغ. ومن يطلب التوسع أكثر في هذه اللحظة المأزقية، سينتبه إلى أن نخباً أرثوذكسية عملت من أجل كيان آخر مثل أنطون سعادة، على سبيل المثال.
ما يعنيني التشديد عليه، هو أن تأخر، أو تباطؤ، أو "تمزق" الأرثوذكس في هذه الخيارات، لم يعنِ واقعاً غير صعوبة دخولهم في نظام يجعل الاحتشادات المذهبية عنواناً للسياسة، وهي قاعدة تشكل الأحزاب ونفوذها في لبنان وتأثيرها في الدولة ومؤسساتها. لهذا كان يصعب عليهم بناء حزب، فيما جنح بعضهم إلى جمعيات ثقافية أو دينية (مثل "حركة الشبيبة الارثوذكسية") كبديل معلن أو مستور عن التكوكبات الحزبية والسياسية. يكفي، للتدليل على ذلك، النظر إلى التأثير القوي للأرثوذكس في الاقتصاد أو في النقابات أو في "المهن الحرة"، فيما تخفُّ أو تتراجع مكانتها السياسية، حتى حدود اقتراح انتخاب وفق "القانون الأرثوذكسي"، الذي فُهم بشكل خاطئ.
ما أفقد الأرثوذكس هذه المكانة هو بناء النظام وفق قواعد قديمة، غير حديثة؛ وهو ما يتفاقم في السنوات الأخيرة، حيث لم يعد المسيحيون – على اختلافاتهم، بمن فيهم الموارنة أنفسهم – ممثَّلين بقوتهم الذاتية (وفق حسابات بناء النظام الحالي)، وباتوا فاقدي التأثير في الدولة ومؤسساتها، فكيف في سياسات الوطن!
أيمكن الحديث، بالتالي، عن "ذمّية جديدة"، قوامها انتفاع ممثلين سياسيين وحزبيين لبنانيين مسيحيين من نفوذ القوة الشيعية، والقوة السنية بصورة أقل؟ وهو ضعفٌ ينتج من التأثيرات المتمادية التي باتت تتحكم بموازين البلد وبسياساته. فقوة إيران تشمل قوة "حزب الله" وتتخطاها، فيما تبدو القوة السنية – حالياً – "مضعضعة"، وتتحول في السنوات الأخيرة إلى قوة إسناد اجتماعية لبعض السنة المفقرين في الأرياف خصوصاً. فيما لم يبق لممثلي القوى المسيحية، غير "هيبة رمزية" (تكاد تختصر عند بعضهم اليوم بـ: "حقوق المسيحيين")، فيما تبقى قوة الدولة العسكرية بيد "حزب الله"، ويبقى بعض التمثيل الخارجي بيد ممثل السنة: الرئيس سعد الحريري، ولكن بشكل أضعف من والده.
المأزق الحالي يتمثل في خيارَين صعبَين: إما التكوكب المذهبي، أي حفظُ "تمثيل" المسيحيين (بأعدادهم الكبيرة) للمسيحيين، وإما الانخراط في خيارات علمانية تُبطل الاحتشاد المذهبي لمصلحة احتشاد سياسي - حزبي، وتجعل المواطنين سواسية في صناعة الوطن.
غير أن هذين الخيارين صعبان، وقد لا يجلبان النتائج المرجوة. فما يؤثر في سياسات البلد، لا يتعيّن في أعداد هذه الطائفة أو تلك فقط، وإنما أيضاً في سندها الخارجي، وهو ضعيف في أحوال المسيحيين، بمن فيهم الموارنة أنفسهم، والسنة في بعض الأحوال.
قد يكون الحل ممكناً بين مقادير من "حسن تمثيل" المسيحيين لأنفسهم، من جهة، وبين تقوية "علمانية حقة"، من جهة ثانية.