لعبة الأسماء في معركة الحكومة تبدو مضحكة-مبكية في وضع لبنان واللبنانيين المريع، وتحت الضغط الدولي الفظيع. ولعبة ما وراء الأسماء مكشوفة، وإن أحاطها "لغز". فالمسألة لم تعد أن تكون أو لا تكون لنا حكومة. المسألة هي تزوير أسباب الأزمة التي أعادتنا الى أسوأ من أيام "سفر برلك". وهي أن التفكير من "خارج الصندوق" ممنوع، والعمل من داخل الصندوق لا يقود إلا الى تفاقم الأزمة. والمشكلة هي أن البحث عن الحكومة وفيها ينطلق من شيء آخر خارج "المهمة" الملحة التي تنتظرها. إنه التفكير السلبي. التحسب سلفاً، إن لم يكن الرهان، لتعطيل المواعيد، فلا إنتخابات نيابية ولا رئاسية. وهكذا، يريد كل طرف قوي ضمان حصته وسطوته على مجلس الوزراء الذي يمارس صلاحيات الرئاسة فوق كونه مركز السلطة.
أما "اللغز"، فإنه في القوة والحسابات التي تقف وراء التعطيل وتسمح بأن يتسارع إنهيار "الدومينو اللبناني" وسط "دومينو إقليمي" بسرعة أقل. فريق "الممانعة" يرد كل الإنهيارات الى "حصار دولي" و"مؤامرة أميركية-إسرائيلية-عربية" توظف أطرافاً لبنانية من أجل هدف محدد ضد "حزب الله" وعهد الرئيس ميشال عون. وفريق "الممانعة المعاكسة" للهيمنة الإيرانية على لبنان يرى أن اللبنانيين يدفعون، الى جانب ثمن الأخطاء والأنانيات والفساد والسطو الذي تقوم به المافيا السياسية والمالية والميليشيوية، كلفة الدور الإقليمي الذي يلعبه "حزب الله" وسلاحه غير الشرعي لمصلحة مشروع إيراني إقليمي. فضلاً عن الدور الداخلي الذي يتحكم من خلاله بكل مفاصل السلطة وينفرد بقرار الحرب والسلم.
والفريقان يلتقيان على نقطة واحدة: الهدف هو دفع لبنان الى الخراب الكامل. لكن التناقض هو حول وظيفة الخراب. أهل "الممانعة" يتصورون أن الخراب الكامل هو وسيلة "الأعداء" للقضاء على سلاح "حزب الله" ودوره العسكري الإقليمي وفك تحالفه مع الرئيس عون وتياره. وأهل "الممانعة المعاكسة" يرون أن الخراب الكامل هو الذي ينتظره "حزب الله" لإعادة تشكيل لبنان وتغيير هويته وجوهره.
والنتيجة، بصرف النظر عن الخلط بين الواقع والخيال والهرب من الحقائق عبر تغطيتها بوسائل الدعاية الكلاسيكية، هي أننا في جهنم بالفعل. ولم نعد نحلم حتى بالوقوف أمام باب الجنة بل بتأمين الحد الأدنى من متطلبات البقاء في الجحيم. ولسان حالنا هو القول المأثور: "اللهم لا نسألك رد الظلم بل اللطف فيه". فما هو هذا "اللغز" وراء الإمتناع حتى عن تقديم ذلك؟ بأية حسابات في أي صراع سياسي يتم الرقص على أرض بلاد تنهار، تهاجر نخبها ويحلم شعبها كله بالهجرة من دون أن تحرس بيوتهم "ناطورة المفاتيح" في مسرحية الأخوين رحباني وفيروز؟
يقول الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث: "لا شيء بعد النهاية، لأنه إذا كان هناك شيء، فلن تكون هي النهاية". وعسى أن يتعلم هذا الدرس المراهنون على نهاية لبنان.