روبين رايت

"الانسحاب الكبير" من أفغانستان...نهاية حقبة الهيمنة الأميركية؟

21 آب 2021

المصدر: The New Yorker

02 : 00

بعد استيلاء حركة "طالبان" على جميع مناطق أفغانستان، هرب الرئيس الأفغاني أشرف غني من البلد وسقطت حكومته، وانهارت قوات الأمن الأفغانية التي درّبتها الولايات المتحدة بكل سهولة تزامناً مع وصول "طالبان" إلى العاصمة. واضطر الديبلوماسيون الأميركيون، بعد إجلاء السفارة الأميركية المحصّنة، للجوء إلى المطار بانتظار إخراجهم من البلد. هكذا انتهت المغامرة الأميركية الشائبة التي بدأت منذ عقدَين. بالنسبة إلى الأميركيين، تبدو تجربة أفغانستان مصدر هدر لتريليون دولار. أما الأفغان، فقد تُرِكوا لمصيرهم القاتم.

لا يعكس ما حصل هزيمة ضخمة للولايات المتحدة فحسب، بل إن سقوط كابول قد يشكّل نهاية لحقبة الهيمنة الأميركية العالمية. خلال فترة الأربعينات، أطلقت الولايات المتحدة مبادرة "الإنقاذ العظيم" لتسهيل تحرير أوروبا الغربية من آلة الحرب النازية القوية. ثم استعملت قوتها البرية والبحرية والجوية الشاسعة لهزم الإمبراطورية اليابانية العظيمة في شرق آسيا. وبعد مرور ثمانين سنة، تلتزم الولايات المتحدة بعملية قد يسمّيها المؤرخون يوماً "الانسحاب العظيم" أمام ميليشيا فوضوية تفتقر إلى قوة جوية أو مدرعات ومدفعيات في واحدة من أفقر دول العالم.

أصبحت هذه التحركات الآن جزءاً من نمط أميركي ثابت يعود إلى حقبة السبعينات. يوم الأحد الماضي، شملت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً متلاحقة تسترجع ذكريات مؤلمة. يظهر في إحدى الصور حشد من الناس اليائسين الذين يصعدون سلماً نحو سقف مبنى بالقرب من السفارة الأميركية في سايغون لركوب واحدة من المروحيات الأخيرة الخارجة من البلد في العام 1975، في عهد الرئيس جيرالد فورد. وتكشف صورة أخرى مروحية "شينوك" وهي تحوم فوق السفارة الأميركية في كابول يوم الأحد الماضي. حاول وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن تبرير الوضع عبر برنامج This Week على قناة "إي بي سي" يوم الأحد، فقال: "الوضع لا يشبه ما حصل في سايغون بأي شكل". لكن لم يكن موقفه مقنعاً. تبرز فصول أخرى من هذه القصة أيضاً.

في العام 1984، سحبت إدارة ريغان قوات حفظ السلام التابعة لسلاح البحرية الأميركي من بيروت بعدما قتل انتحاري من خلية ناشئة تنتمي إلى الجماعة المعروفة اليوم باسم "حزب الله" أكثر من 240 عنصراً عسكرياً، وهي أكبر خسارة للقوات البحرية الأميركية خلال حادث واحد منذ الحرب العالمية الثانية. وفي العام 2011، انسحبت الولايات المتحدة من العراق وفتحت المجال أمام ظهور تنظيم "داعش". تتحدى الحسابات الخاطئة المتكررة أبسط قواعد صناعة السياسة في واشنطن، فضلاً عن الاستراتيجية العسكرية والقدرات الاستخبارية الأميركية. لكن لماذا لم يستبق أحد هذه الكارثة الوشيكة أو أياً من الكوارث السابقة؟ ولماذا لم توضع خطط إجلاء أكثر فعالية؟ ولماذا تبقى الدول بيد الأعداء السابقين؟ إنها نهاية مخزية.

بغض النظر عن الحقائق التاريخية التي ستُسجَّل خلال العقود المقبلة، سيعتبر معظم العالم المعاصر الولايات المتحدة الجهة الخاسرة في حملة "الحرب على الإرهاب" التي أطلقها جورج بوش الإبن، مع أن تلك الحملة حشدت قوات حلف الناتو لتنفيذ أول انتشار عسكري خارج أوروبا أو أميركا الشمالية، وحرّكت 136 دولة لتقديم مساعدات عسكرية متنوعة، ودفعت 23 بلداً إلى استضافة القوات الأميركية المشارِكة في عمليات هجومية. لكن تبيّن أن الأدوات والتكتيكات الأميركية العامة ليست مجهّزة بما يكفي لمجابهة قوة إرادة "طالبان" وداعميها الباكستانيين. على المدى الطويل، عجزت الصواريخ والطائرات الحربية الأميركية عن هزم حركة مؤلفة من 60 ألف مقاتل أساسي في بلدٍ بحجم ولاية تكساس.

من المتوقع أن تدوم تداعيات عدة لفترة طويلة بعد الانسحاب الأميركي. أولاً، فازت حركة الجهاد بمعركة أساسية ضد الديموقراطية. ظن الغرب أن مدرعاته ومعداته المدعومة بمساعدات سخية تستطيع هزم فكر إيديولوجي متطرف له قاعدة قوية من الأتباع المحليين. من المنتظر أن تفرض حركة "طالبان" مجدداً الشريعة الإسلامية كقانون إلزامي في البلد. ولا شك في أن أفغانستان ستتحول مجدداً إلى ملاذ آمن للمقاتلين ذوي التوجهات نفسها، سواء كانوا عناصر في "القاعدة" أو أي جماعات أخرى تبحث عن معقل لها أو تسعى لإيجاد من يدعمها. إنه سيناريو قاتم فيما يستعد الأميركيون لإحياء الذكرى العشرين لهجوم 11 أيلول في الشهر المقبل. منذ العام 2001، نشرت "القاعدة" و"داعش" وجماعات متطرفة أخرى فروعاً لها في القارات المأهولة الست. في الشهر الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على فرع تابع لتنظيم "داعش" في مكان بعيد مثل الموزمبيق، المستعمرة البرتغالية السابقة في جنوب أفريقيا حيث يعتنق حوالى 60% من السكان المسيحية.

ثانياً، أثبتت تجربتا أفغاستان والعراق أن الولايات المتحدة تعجز عن بناء الأوطان وتشكيل جيوش من الصفر خلال عقد أو عقدين، لا سيما في الدول التي تشمل طبقة وسطى محدودة وتتراجع فيها معدلات التعليم. تتطلب هذه العملية أجيالاً عدة. لا يتمتع عدد كافٍ من الناس هناك بالمعارف أو الخبرات اللازمة لتقبّل أساليب حياة جديدة، بغض النظر عن رغباتهم المبدئية. من المعروف أن الانقسامات العرقية والطائفية تكبح أي محاولات لتغيير الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية دفعةً واحدة. أنفقت الولايات المتحدة 83 مليار دولار على تدريب وتسليح القوات الأفغانية المؤلفة من 300 ألف عنصر (أكبر من حجم ميليشيا "طالبان" بأربع مرات). صرّح مارك ميلي أمام الصحافيين في العام 2013: "كان عمل هذا الجيش وسلك الشرطة فاعلاً جداً في المعركة ضد المتمردين يومياً". أصبح ميلي اليوم رئيس هيئة الأركان المشتركة. لكن بحلول شهر آذار، خلال آخر زيارة لي إلى كابول، كانت "طالبان" قد سيطرت على نصف البلد. وبين شهر أيار ومنتصف آب، سيطرت الحركة على النصف الثاني، وحصلت معظم هذه العملية خلال الأسبوع المنصرم. وفي الشهر الماضي، أعلن بايدن أنه يثق بقدرة الجيش الأفغاني على خوض الحروب كونه "تحسّن من حيث التدريبات والجهوزية والكفاءة ". في النهاية، دخلت "طالبان" إلى كابول واحتلت القصر الرئاسي يوم الأحد.

ثالثاً، تراجعت مكانة الولايات المتحدة في الخارج بكل وضوح، وكان مشهد إنزال العلم الأميركي من السفارة الأميركية للمرة الأخيرة يوم الأحد رمزاً لهذا الضعف. شوهد الدخان وهو يتصاعد من مقر السفارة التي كلّفت حوالى 800 مليون دولار لتوسيع مساحتها منذ خمس سنوات، فقد حُرِقت المواد سريعاً قبل الخروج من هناك. ستجد واشنطن صعوبة في حشد حلفائها وإقناعهم بالتحرك بطريقة جماعية مجدداً بهدف تشكيل تحالف واسع وموحّد قد يكون الأكبر في تاريخ العالم، بما يشبه التحالف الذي نشأ في أفغانستان بعد هجوم 11 أيلول، أو بهدف تشكيل كتلة تشبه "تحالف الإرادة" الهش لخوض الحرب في العراق. لا تزال الولايات المتحدة القوة الطاغية في الغرب، لكن لا يعني ذلك أن قوتها لم تتغير. بل يفتقر العالم اليوم إلى قوى بديلة أو قادة يجيدون أداء الدور نفسه. باختصار، يصعب أن تنقذ الولايات المتحدة سمعتها أو مكانتها في أي وقت قريب.

يبدو "الانسحاب الأميركي العظيم" مخزياً بقدر انسحاب الاتحاد السوفياتي في العام 1989 على الأقل، علماً أن هذا الحدث كان قد مهّد لنهاية الإمبراطورية السوفياتية والحُكم الشيوعي ككل. تدخلت الولايات المتحدة في أفغانستان لفترة تفوق تدخّل السوفيات بمرتين وتكبدت تكاليف أكبر بكثير. تشير التقديرات إلى أن الاتحاد السوفياتي أنفق حوالى 50 مليار دولار خلال أول سبع سنوات من أصل عشرة أعوام احتلّ فيها ذلك البلد الجبلي. ربما دعمت الولايات المتحدة ولادة مجتمع مدني ثري وتعليم الفتيات وظهور وسائل إعلام مستقلة، حتى أنها سهّلت إجراء انتخابات ديموقراطية أكثر من مرة وشهدت على نقل السلطة في مناسبات عدة. يجيد 37% من الفتيات الأفغانيات القراءة اليوم، وفق إحصاءات منظمة "هيومن رايتس ووتش". على صعيد آخر، عرضت قناة "تولو" 18 موسماً من مسابقة الغناء Afghan Star، وهو نسخة من البرنامج الشهير American Idol. أصبحت زهرة إلهام، الشابة العشرينية المتحدرة من أقلية "هزارة" الأفغانية، أول امرأة تفوز بهذه المسابقة في العام 2019. لكن بدأ عدد غير مُحدد من الأفغان الذين تلقوا التشجيع من الولايات المتحدة يبحث بكل يأس الآن عن طرق لمغادرة البلد تزامناً مع وصول "طالبان". في غضون ذلك، أخرجت النساء البرقع الأزرق لارتدائه مجدداً. ولا تختلف مشاهد الأميركيين وهم يركبون مروحياتهم للرحيل عن عبور القوات السوفياتية "جسر الصداقة" من أفغانستان إلى الاتحاد السوفياتي السابق في 15 شباط 1989. لقد انسحبت هاتان القوتان البارزتان كما يفعل الخاسرون وتركتا وراءهما فوضى عارمة.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لن تنتهي التكاليف مع انسحابها من أفغانستان أو العراق. بل إنها قد تتكبد تريليونَي دولار إضافيَين لدفع تكاليف الرعاية الصحية وإعاقات المحاربين القدامى خلال تلك الحروب. وقد لا تبلغ تلك التكاليف ذروتها قبل العام 2048. يبدو أن أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة ستدوم أكثر مما توقع أحد منذ عشرين سنة، حتى لو انتهت رسمياً الآن. في المحصّلة قُتِل 47 ألف مدني، وفق معطيات "مشروع تكاليف الحرب" في جامعة "براون"، وكان أكثر من 24 ألفاً منهم عسكريين أميركيين وحوالى 4 آلاف منهم متعاقدين أميركيين.

زرتُ أفغانستان للمرة الأولى في العام 1999، خلال حُكم "طالبان" الأصلي. عبرتُ حينها بممر "خيبر" المدهش من باكستان، ومررتُ بالعقارات المحصّنة التي تعود إلى تجار المخدرات على طول الحدود، فوق طرقات متعرجة ومدمّرة باتجاه كابول. لا يمكن نسيان مظاهر حُكم "طالبان" القمعي بأي شكل: أطفال يعملون في شوارع البلدات الأفغانية لإعالة أمهاتهم الأرامل نظراً إلى عجزهن عن الظهور في الأماكن العامة؛ حواجز تفتيش تعج بشرائط سمعية ومرئية تمّت مصادرتها سابقاً...

ثم عدتُ إلى هذا البلد مع وزير الخارجية كولين باول خلال رحلته الأولى بعد سقوط "طالبان". في تلك المرحلة انتشرت آمال كثيرة بتغيّر الوضع، مع أن هذا الاحتمال بدا بعيد المنال. ثم نَسَف حكام البلد الفاسدون الجدد هذه الفكرة من أساسها. عدتُ إلى أفغانستان في مناسبات متكررة منذ ذلك الحين، وزرتُه في شهر آذار الماضي مع الجنرال كينيث "فرانك" ماكينزي جونيور، رئيس القيادة المركزية الأميركية الذي يتولى راهناً الإشراف على العمليات العسكرية الأميركية الأخيرة. يوم الأحد، حين مَحَت الولايات المتحدة وجودها من أفغانستان خلال سباق حقيقي لمغادرة البلد، رحتُ أتساءل: "هل ذهب كل شيء أدراج الرياح؟ وما هي العواقب الأخرى التي ستواجهها الولايات المتحدة بعد حملتها الفاشلة في أفغانستان خلال العقود المقبلة؟ يصعب أن نعرف الأجوبة على هذه الأسئلة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.