د. ميشال الشماعي

هل اسْتُبيحَتِ المحظورات؟

5 دقائق للقراءة
د. ميشال الشماعي

وإن صدرت لوائح الأسعار الجديدة ما زال اللبنانيّون في طوابير البنزين على المحطات واقفين على حالهم. وفي أحلامهم طوابير لاستخراج النفط الذي وعدتنا به هذه المنظومة يوم احتفلوا بروباغنديّاً على شاشات التلفزة ومواقعهم للتواصل الاجتماعي، لكأنّهم استخرجوا النفط من أرض المرّيخ! وانهالت الوعود من كلّ حدبٍ وصوبٍ على اللبنانيّين الذين صدّقوا زِيْفَهم.

وحدهم الحكماء كشفوا ألاعيبهم، وسرعان ما انهالت عليهم التّهم تحت ذريعة "ما عم يخلونا"، لتتجلّى بعد ذلك مرحلة تصاعد الأزمات، فبات اللبنانيّ على أزمة وصحا على أخرى أصعب من الأولى بكثير؛ فيما سبب الأزمات كلّها يبقى في التموضع السياسي الذي أخذت هذه المنظومة والمنظّمة لبنان إليه.

صحيح أنّ الفساد مستشرٍ في لبنان نتيجة العقليّة "المركنتيليّة" النفعيّة المصلحيّة التي تعود إلى جذور الأجداد التجاريّة، لكن المفارقة أنّ اللبنانيّين لم يتذمّروا يوماً ممّا كان يضرب تركيباتهم المؤسّساتيّة من فساد. ولقد اعتاد اللبناني على التعايش مع هذا الواقع الاجتماعي، من دون أن يشكّل عنده أيّ أزمة. وهذا لا يعني بالطبع أنّ الفساد قد يصبح مقبولاً في سلّم القيم الاجتماعيّة؛ فهذه آفة مرفوضة رفضاً قاطعاً ووجب اجتثاثها من جذورها.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في تحوّل هذا الفساد من المؤسسة إلى العمل السياسي ما أنتج بدوره طبقة سياسيّة بالكاد تجد فيها مَن يُعتَبَرُ نزيهاً بحسب ممارساته السياسيّة؛ والتي اعتُبِرَت عند بعض الفاسدين خروجاً عن المألوف الفاسد الذي بات طبيعيّاً.

وما شعر اللبنانيّون بثقل هذا الفساد السياسي إلا بعدما ورّطهم بمحور الشرّ الايراني- السوري وحرَفَ اتّجاه وطنهم السياسي نحو منظّمة أيديولوجيّة مذهبيّة، أعني هنا "حزب الله"، تريد أن تجعل من لبنان كياناً مستقلاً يشبه ثقافتها الأيديولوجيّة في أمّة إسلاميّة مذهبيّة، لا تمتّ إلى الإسلام الحقيقي بأي صلة؛ وتحت حكم الولي الفقيه الذي يحضّر العالم للمهدي المنتظر.

ولا يبدو غريباً إذاً الوضع الذي وصلنا إليه في لبنان، منظّمة "حزب الله" باتت حرس حدود للعدو الاسرائيلي بفعل القرار الاممي 1701، واقتصاديّاً باتت العملة اللبنانية في الحضيض، والمحروقات حدّث بلا حرج. وذلك كلّه في ظلّ تسييب الحدود اللبنانية للتهريب خدمة للنظام السوري، وليس للشعب السوري الذي يعاني كالشعب اللبناني، نتيجة تموضع نظامه السياسي في محور الممانعة.

ونشط المهرّبون المحميّون من المنظّمة لينعشوا النظام في سوريا؛ وهكذا تكون المنظومة اللبنانية قد قدّمت الطاعة لأوليائها من طهران إلى الشام فحارة حريك. وفي عملية ديماغوجيّة سمجة وساذجة طالعنا أمين عام المنظّمة باستحضار البواخر من إيران ضارباً بعرض الحائط سيادة الدولة من البوابة الاقتصادية، بعدما أمعن بضربها أمنيّاً وسياسيّاً بمصادرته قراري الحرب والسلم طوال عقود أربعة خلت.

وتساءل الحكماء عندها لماذا البواخر الايرانية إلى لبنان، فيما المحروقات اللبنانية تهرّب الى سوريا؟ أليس حريّاً بحاكم طهران إحضار البواخر إلى حليفه في الشام عوضَ إحضارها إلى لبنان واستجرار سيل من العقوبات الدوليّة عليه؟ أم أنّ المطلوب من ذلك هو العراضة الاعلامية التي رافقت هذه العملية الديماغوجيّة؟ والسبب هو استنهاض همم شارع المنظّمة الذي بات هو نفسه منهكاً. فبنهاية المطاف كلّنا بشرٌ، والجوع لا يرحم ولا يميّز بين أحد. وإن لم يستطع الجوع أن يوحّد اللبنانيّين فعبثاً يبني البناؤون. أم أنّ الخَدَرَ الأيديولوجيّ قد نجح بكمّ العقول عن التفكير، حتى في حال إعطائها الأمر للأدمغة بإعلان حالة الجوع؟

المطلوب واحد فيما البحث عن ملايين. يجب تحرير الدولة من سيطرة منظّمة "حزب الله"، وإعادة تموضع لبنان في العالم الحرّ ليعود ألَقُهُ الحضاري كما كان منذ آلاف السنين. وإن لم يستطع اللبنانيون توحيد رؤاهم، إن كانوا معارضةً أم ثواراً، لن يتمكّنوا من إحداث أيّ خرق، ولا حتّى كوّة في جدار هذه الأزمة.

وإن استمرّت القوى السياسيّة السياديّة على حالها التشرذمي هذا، قد تطال هذه الأزمة وجوديّة لبنان، ولن يستفيد أحد من ذلك إلا مَن يملك القدرة الميدانية على إعلان دولته. وبالطبع هنا لا نعني فقط القدرة العسكرية. مخطئ مَن يظنّ أنّ منظّمة "حزب الله" وحدها قادرة على إعلان دولتها، فهي لن تقدم على هكذا خطوة قد تشكّل ذريعة أممية لتدخل عسكري ما، قد يضعها في مواجهة العالم بأسره. فيما هذه المنظّمة تحكم قبضتها على الدولة بأكملها بالترغيب والترهيب، بالسياسة والعسكر، بالمؤسسات وخارجها.

ولغير هذه المنظّمة قدرات أخرى غير القدرة العسكرية تمكّن بعض الأطراف من إدارة مناطقهم إدارة رشيدة، وحكمها بحوكمة مؤسساتية قادرة أن تنقلها من الحضيض الذي وضعتها به هذه المنظومة، إلى ازدهار وبحبوحة كتلك التي شهدتها بعض المناطق التي كانت تعرف بالمناطق الحرّة في زمن الحرب البغيضة.

ولا يعتقدنّ أحد أنّ الاعتماد فقط على خيار التغيير بواسطة الانتخابات النيابية هو المتاح.

فالخطط البديلة كلّها جاهزة، ولبنان ليس متروكاً لمصيره، ولا سيّما من قبل أبنائه اللبنانيين الكيانيّين الأحرار الذين قرّروا البقاء ليبقى لبنان. والاعتماد أولاً وأخيراً على هؤلاء، لا كما يسوّق قادة المنظّمة وأحبار المنظومة بأنّ الاعتماد هو على الخارج وتموضعاته الاقليمية ومفاوضاته الدولية النووية. وما بين استسهال عراضات البواخر النفطية والتسويق لعجز الدولة في ضبط حدودها يبقى الحلّ عند الشعب الذي وحده قادر على إحداث التغيير، على أمل ألا نكون قد وصلنا إلى مرحلة تصبح فيها ضرورات الحياة تُبيح محظوراتها. وعندها لن ينفع البكاء وصريف الأسنان. ومَن له أذنان للسماع … فليسمع!