جاد حداد

Hustlers... أجواء صاخبة وعاطفية!

5 دقائق للقراءة

في Hustlers (المخادعات)، تؤدي جينيفر لوبيز دوراً محورياً في نادي تعرٍّ على وقع أنغام أغنية Criminal لفيونا آبل، وتختصر أول عبارة فيها ("كنت فتاة سيئة جداً") أجواء العمل.

يبدأ الرجال سريعاً برمي الأموال على الراقصة المحترفة "رامونا" التي تجسّد شخصيتها لوبيز. يصعب في هذه اللحظات أن نفصل بالكامل بين الممثلة المشهورة والشخصية المعقدة التي تؤديها في هذا الفيلم. إنه جزء من المتعة التي ترافق مشاهدة أداء هذه النجمة متعددة المواهب. شخصيتها مألوفة، فهي واثقة من نفسها وجذابة وتتمتع بقدرة خارقة على جذب الجمهور، ومع ذلك تُعدّل لوبيز جوانب من دورها وتعيد صقل قدراتها العالية لتذكيرنا بأنها ممثلة موهوبة بالفطرة قبل أن تكون النجمة العالمية "جي لو".

لن تكون مشاهدة أفضل عمل تقدّمه لوبيز منذ فيلمَي Selena و Out of Sight (بعيد عن النظر) السبب الوحيد لرؤية دراما الجريمة هذه للكاتبة والمخرجة لورين سكافاريا، لكنه سبب كافٍ. يروي Hustlers قصة حقيقية عن راقصات تعرّ أقدمن على إغواء عملاء أثرياء من "وول ستريت" وتخديرهم ونهبهم. يرتكز هذا العمل القوي بشكلٍ أساسي على أداء لوبيز المشوق وثقتها الكبيرة بنفسها.

تتكل سكافاريا بدرجة كبيرة على تكتيكات الإخراج الكلاسيكية التي عُرِف بها سكورسيزي: سرد واقعي للقصة لوصف المخطط، تصوير بطيء ولقطات مقرّبة لتجسيد الجانب العاطفي من المشاهد، موسيقى تصويرية من نوع البوب والروك و"آر أند بي"، بدءاً من أعمال جانيت جاكسون وبريتني سبيرز، وصولاً إلى بوب سيغر وفرقة "فور سيزونز"، مروراً بمقطوعات شوبان. يشكّل مشهد لوبيز الافتتاحي الطويل، من غرفة تبديل الملابس إلى الرواق ثم المسرح والظهور أمام الجمهور، بداية مبهرة ومناسبة للتعرف على هذا العالم. نشاهد أيضاً لقطات تكشف عن حياة الرفاهية التي تعيشها هؤلاء السيدات بأموالهنّ غير الشرعية. تشبه الأجواء عموماً فيلم Goodfellas (أعضاء العصابة). لكن تتميز قصة سكافاريا بعمق عاطفي مفاجئ ولا مفر من الاستمتاع بمشاهدتها.

Hustlers مقتبس من مقالة لجيسيكا بريسلر في مجلة "نيويورك"، وتؤدي جوليا ستايلز دور الصحافية في الفيلم. يروي العمل قصة الفتاة الجديدة الخجولة (كونستانس وو) المعروفة على المسرح باسم "دستيني": هي في الأصل من منطقة "كوينز" وابنة مهاجرَين تجولا في ضواحي نوادي التعري في المدينة. اختارت هذا العمل لإعالة جدّتها التي ربّتها (واي تشينغ هو) ولا تبدو متحمسة أو موهوبة في البداية. لكن حين تشاهد "رامونا" وهي تسيطر على المسرح، تدرك أن هذا العمل قوي ومربح. وعندما تتعلم "دستيني" من "رامونا" وراقصة أخرى (كاردي بي، ممثلة لاتينية جذابة تخوض أول تجربة سينمائية في مسيرتها) أهم أساليب الرقص، يبدو المشهد مضحكاً ولطيفاً، ويكشف طبيعة العلاقة بين الفتيات.




تكون المكاسب المادية جيدة لفترة، لا سيما حين تعمل "رامونا" و"دستيني" كثنائي مغرٍ في غرفة الشمبانيا. لكن سرعان ما يبدأ الركود الاقتصادي في العام 2008، فيؤثر على العاملين في "وول ستريت"، ما يعني تراجع الأموال النقدية التي يرمونها على الراقصات. تُمهّد الطاقة الجنونية التي تطغى على بداية الفيلم لأجواء أكثر هدوءاً حين يتعثر العمل، فتنفصل الراقصات وتَلِد "دستيني" طفلة.

لكنّ اليأس المستجد يجعل "رامونا" تفكّر بخطة لكسب مبالغ إضافية: تحضير خليط قوي من عقار الإكستازي والكيتامين ورشّ كمية صغيرة منه في مشروب الرجل المستهدف في حانة، ثم جرّه مجدداً إلى نادي التعري لإفراغ بطاقات ائتمانه. يبدو مشهد تحضير الخليط المخدّر في شقة "رامونا" في الجانب الشرقي الأعلى من المدينة حيوياً وفكاهياً، لكنه يشبه بكل وضوح جوانب من Goodfellas. تستعين "رامونا" و"دستيني" براقصتَين موثوق بهما، "مرسيدس" (كيكي بالمر) و"أنابيل" (ليلي راينهارت) (إضافة جميلة إلى طاقم الممثلين)، لإنذارهما بأي طارئ، وسرعان ما تبلغ عمليات السرقة الليلية ذروتها.لا تُركّز سكافاريا على تحليل الجانب الأخلاقي من جرائم النساء، بل توحي بأن الرجال استحقوا ما واجهوه نتيجة المهنة التي اختاروها: هم مخادعون بدورهم رغم بذلاتهم الرسمية! كما أنهم بغيضون وسيئون في معظمهم، لذا تُعتبر أفعال النساء مبررة. حتى أن المشاهد سيشجّع مخطط السيدات المجتهدات لاكتساب ثرواتهنّ المستحقة. قد تبدو الفكرة العامة سطحية، لكن تطرح سكافاريا حجة مقنعة من خلال حشد مجموعة محبوبة من النساء.

تبقى "رامونا" مُحَرّكة الأحداث كلها، فهي القائدة الصاخبة والأم الحنونة في آن، وتبرع لوبيز في تجسيد جميع تناقضات وتعقيدات هذه الشخصية (في المشاهد الأولى، خلال استراحة على سطح النادي في ليلة باردة، تدعو "رامونا" "دستيني" إلى الاختباء في معطفها قبل أن تتعرفا على بعضهما. من يستطيع رفض هذا العرض؟). وفي دور "دستيني"، تثبت وو براعتها في التحول من مبتدئة مندهشة إلى مجرمة قوية. حتى أنها تكشف عمقاً درامياً للشخصية بما يفوق أداءها المبهر في Crazy Rich Asians (آسيويون أغنياء مجانين). يبدو الرابط المؤثر بين هاتين الشخصيتين (رابط أخوّة في عالم مليء بالوحوش) صادقاً بشكلٍ غير متوقع في النهاية، مقارنةً بالعمليات الصاخبة والمخادعة التي تنفذانها.

بعد انتهاء Hustlers، قد ينتابك شعور مشابه لما يختبره ضحايا راقصات التعري: لن تتذكر كل ما حصل، لكنك تشعر بأنك أمضيت وقتاً ممتعاً!