هذا ما كان يرد، في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على صدر روايات مترجمة الى العربية من اللغات الفرنسية والانكليزية والالمانية وغيرها. ويشير إلى ما كان يقوم به المترجم من عمليات كتابية، من اختصار وتلخيص للتخفيف من طول الرواية أو وصف الأمكنة وغيرها، أو لورود بعض "المحرمات" (مثل القبلة وغيرها)، او لصعوبة ترجمة دقائق ولطائف في التراكيب السردية.
كانوا يعبثون بالنص- المنطلَق، من دون شك، إلا انهم كانوا يُعبِّرون أيضاً عن حرص في التبرير والشرح. هذه بعض الدقة اللازمة في اي ترجمة، إلا أن هذه الأمانة - ولو بالحد الادنى- ما عاد يتقيد بها اعداد من مترجمي اليوم. تراهم يترجمون المجموعة الشعرية، أو الرواية، أو المقال الفكري وغيرها، عبر لغة ثالثة. هذه الترجمة - بما تيسر- غير معمول بها في آداب وثقافات عديدة، إذ تحترم لغات الغير، وتفتخر برصيدها، وتعمل على تعزيزه. والأدهى في عمل هؤلاء المترجمِين، هو أن دور نشر عربية تُقدم على نشر هذه الترجمات، وفي "السوق السوداء"، اي من دون حقوق لمؤلفيها، ولو بشكل رمزي.
إلا أن هناك ترجمات غيرها، ما لا ينتبه إليه القارئ في أحوال، وهي الترجمات الضمنية. اي التي يقوم فيها الباحث خصوصاً بنقلٍ ممنهج او مقاربة او طريقة تحليلية او إجرائية. ينقل عنها من دون ان يذكرها، ويبني عليها من دون ان يدقق فيها او يساجلها أو يعدلها. والأدهى من ذلك، أن هذا الباحث، إذ يتولى نقلها من اصلها، "يُسقطها" في تحليل نصوص عربية قد لا تكون مناسبة لها إلا مع قدر من التعسف والتصرف. والمفارقة الأشد، في هذا كله، هو ان الناقل يعتمد على ترجمات عربية - بائسة- لهذه المتون، فيعم الجهل فضلاً عن سقوط الأمانة العلمية.
الترجمة ضرورة أكيدة في غير مجال ثقافي وأدبي، وهو ما ينشط في صورة مزيدة بين اللغات من دون تفاضل. العربية تحتاج هذه الترجمات، ولا سيما في العلوم الإنسانية، إلا أن ما يجري في بعضها يلبي الاستهلاك العجول، من دون شك، ولا يبالي بقيام شروط مناسبة للتفاعل والتحاور، أشبه بمن يلتهم وجبة سريعة فيما يقرأ نصاً لهايدغر.