الصداع المزمن وألم الظهر المتواصل جزء من الاضطرابات المُنهِكة ويُعتبران من أبرز خمسة أسباب للإعاقة المطوّلة. رصدت دراسة جديدة الآن رابطاً بين هذين العاملين، ما يُمهّد لإطلاق مسار جديد نحو تحسين فعالية العلاج.
غالباً ما يعالج أطباء الصحة العامة هاتين الحالتَين بشكلٍ منفصل، لكنهما تظهران لدى البعض في الوقت نفسه. بالتالي، يمكن تحسين النتائج المحققة عبر معالجتهما معاً باعتبارهما اضطراباً واحداً.
وفق "منظمة الصحة العالمية"، يصاب حتى 4% من الراشدين بالصداع طوال 15 يوماً أو أكثر شهرياً. في المقابل، يصيب ألم أسفل الظهر حوالى 80% من الراشدين مرة في حياتهم على الأقل، بحسب "المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والجلطات الدماغية"، ثم يصبح ذلك الألم مزمناً لدى 20% منهم.
في العام 2013، رصدت دراسة ألمانية رابطاً بين ألم أسفل الظهر وحالات مزمنة من الصداع النصفي وصداع التوتر. لكن اكتشف الباحثون في جامعة "وارويك"، بريطانيا، الآن رابطاً أقوى بعد بين هذه العوامل.
مخاطر مزدوجة
نُشِرت نتائج المراجعة الجديدة في "مجلة الصداع والألم"، وشملت 14 دراسة تتنوع فيها أحجام العينات. كانت أصغر دراسة بينها تضمّ 88 فرداً، وأكبرها 404206 مشاركين.
تمحورت المراجعة حول الصداع المزمن وألم أسفل الظهر المتواصل. عرّف الباحثون هاتين الحالتين على الشكل الآتي: ينشأ الصداع النصفي في معظم الأيام، طوال 3 أشهر على الأقل؛ ويقع ألم الظهر بين أسفل القفص الصدري وطيّات المؤخرة خلال الفترة نفسها.
اكتشفت المراجعة أن جميع الدراسات تقاسمت رابطاً إيجابياً بين الحالتين. تمكن الباحثون من قياس هذه العلاقة، واستنتجوا أن المصابين بأحد الاضطرابَين كانوا أكثر عرضة بمرتين للاضطراب الآخر، مقارنةً بغير المصابين بالصداع أو ألم الظهر.
بدا الرابط أقوى بدرجة إضافية لدى المصابين بالصداع النصفي (المرض الثالث الأكثر شيوعاً في العالم). لكن تتراجع نوعية النتائج على الأرجح نتيجة عدم تماسك تصاميم الدراسة والمشاركين فيها وتعدد التعريفات للاضطرابَين.
مع ذلك، تبقى النتائج "مثيرة للاهتمام" برأي الأستاذ مارتن أندروود من كلية الطب التابعة لجامعة "وارويك"، لأن "الحالتين خضعتا للتحليل كاضطرابَين منفصلَين ثم تحكّم بهما أشخاص مختلفون. لكن لا مفر من التفكير بوجود سبب مشترك للمشكلة، لدى البعض على الأقل".
علاجات مشتركة
لم يتأكد الباحثون بعد من السبب المشترك، لكنهم يطرحون بعض الفرضيات. يوضح أندروود: "ربما تنشأ علاقة بيولوجية كامنة لدى جزء من المصابين بالصداع وألم الظهر. أو ربما يتعلق العامل المؤثر بالعلاقة القائمة بين طريقة تفاعل الناس مع الألم، وحساسية البعض تجاه الأسباب الجسدية لألم الظهر والصداع النصفي، وتجاوب الجسم مع هذه الحالات وتطور الإعاقات بسببها".
سيكون أي سبب مماثل هدفاً علاجياً مناسباً. يظن الباحثون أن أفضل حل يقضي بإيجاد مقاربة مشتركة. حتى الآن، تسمح الأدوية المتاحة بمعالجة الصداع المزمن. يجرّب البعض أيضاً خيارات الطب البديل. في المقابل، قد يتطلب ألم الظهر خليطاً من التمارين الجسدية والعلاج النفسي.من خلال إعطاء المصابين بالاضطرابَين معاً الدعم المناسب والتقنيات الفعالة للتحكم بالوضع، من الأسهل أن يحسّنوا نوعية حياتهم. كذلك، يعطي العلاج المشترك منفعة مالية كونه يُخفّض عدد الوصفات الطبية.
يضيف أندروود: "حين يعالج الأطباء مشكلة معينة، يجب أن يقتنعوا بضرورة أن يسألوا عن مشاكل أخرى ويختاروا العلاج بناءً على جميع المعطيات المتاحة. وفي الأبحاث المستقبلية، يجب أن يفهم العلماء الآليات الكامنة وراء هذه العلاقة".