القاضي الشيخ خلدون عريمط

المسلمون السنّة في لبنان... جرح نازف ومستقبل منشود؟

3 أيلول 2021

02 : 00

الشيخ خلدون عريمط

الوجود الإسلامي لأهل السنّة والجماعة في بيروت وطرابلس؛ وبقيّة مدن الساحل اللبناني من العريضة في عكار؛ الى الناقورة في الجنوب؛ وما بعدها الساحل الفلسطيني، يعود تاريخه الى عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، أي لعام 13 للهجرة النبويّة الشريفة، الموافق 634 م، كما أشار الى ذلك كثير من المؤرّخين العرب والأجانب، وخصوصاً المؤرّخ أبو الحسن بن داود البلاذري في كتابه "فتوح البلدان" وهذا يعني أنّ المسلمين في لبنان ساحلاً وسهلاً وجبلاً وبقاعاً وفي الاقطار المجاورة للبنان، هم أصل هذه البلاد وأهلها منذ ما يزيد عن ألف وأربعمئة وثلاثين عاماً وان شاركهم البعض من الاقوام، وهم الّذين واكبوا صحابة رسول الله في الدفاع عن هذه الأرض العربيه الطيّبة وتحريرها من الدوله البيزنطية آنذاك، وفي مقدّم الصحابة الّذين نزلوا عكار (عرقه) وطرابلس، وجبيل، وبيروت، وصيدا، وصور وجبل عامل والبقاع عام 13 للهجرة؛ الصحابي أبو الدرداء، وشرحبيل بن حسنة، وخالد بن الوليد؛ ويزيد بن أبي سفيان، وسلمان الفارسي وابو ذرّ الغفاري وبلال الحبشي، وغيرهم الكثير رضي الله عنهم وأرضاهم ممّن رابطوا وجاهدوا ودُفنوا في مقابر المسلمين في حواضر لبنان وبقية بلاد الشام، ومن هذه النخبة الطيّبة؛ ومَن جاء بعدها من التابعين وتابعيهم في العهود الأموية والعباسية والعثمانية تجذّر الوجود العربي بمسلميه ومسيحيّيه، فكانت طرابلس وبيروت وساحل لبنان كاملاً؛ اضافة الى ساحلي سوريا وفلسطين ثغوراً مرابطة للعروبة والإسلام؛ قدّم المسلمون من أهل السنّة والجماعة ومن والاهم عشرات الآلاف من الشهداء في كلّ عصر من العصور السالفة ليستمرّوا ركناً ركيناً من مقوّمات الولايه او الدولة بمسمّياتها المختلفة، لم يتقوقعوا أو يتأقلنوا؛ أو ينحرفوا مذهبياً أو طائفياً أو عرقياً أو مناطقياً، فالمسلمون عامة بثقافتهم الراشدة؛ وعمق عقيدتهم وتسامحها أصل الأمّة وحماة الدولة وفرسانها، وهم المدافعون عن وجودها ودورها في حماية كل مَن وجد او عاش على أرضها من المواطنين بشتّى معتقداتهم وانتماءاتهم٠ هكذا كان المسلمون ولا زالوا يحملون ثقافة الوحدة والجماعة والتوحيد والحفاظ على الآخر؛ واحترام ثقافته وخصوصيّته؛ سواء كانت مذهبيّة أو طائفيّة أو حتّى عرقيّة وعلى مدى قرون، الى أن تمّت ولادة "دولة لبنان الكبير" في الاول من أيلول عام 1920م، بإرادة فرنسيّة ورغبة مسيحية مارونية مع اتفاقيّة (سايكس/ بيكو) المشؤومة قبيل نهاية انهيار الدولة العثمانيّة عام 1922م٠

والسؤال الكبير الّذي يُطرح الآن، ما الّذي تغيّر؟ ليعيش المسلمون من أهل السنّة والجماعة في لبنان واقعاً مؤلماً نازفاً حافلاً بالحصار والاختزال والاغتيالات والهضم لحقوقهم؛ ومتطلّعين الى مستقبل واعد منشود؛ منذ عام 1975م، مع بداية الحرب الأهليّة العبثيّة الّتي دمّرت مدنهم في بيروت وطرابلس وصيدا وصور، ومزّقت وجودَهم البنيوي وتواجدهم الديمغرافي بالاجتياح الإسرائيلي للعاصمة بيروت عام 1982م، وصولاً الى "الاتّفاق الثلاثي" المغيّب لدور المسلمين السنة؛ في المعادله الوطنية؛ والموقّع في دمشق عام 1985م حتّى نهاية الحرب الأهليّة عام 1990م، بإقرار "وثيقة الطائف"، في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى.

هل لأنّ المسلمين في لبنان كانوا على الدوام دعاة وحدة وطنيّة؛ وتطلعات عربيّة، ومقاومين حقيقيين باستمرار للمشروع الصهيوني المحتل لفلسطين؛ والهادف الى إقامة كيانات مذهبيّة وطائفيّة وعرقيّة لتكون هذه الكيانات المتنفّس للمشروع الصهيوني التلمودي في فلسطين العربية؟ أم لأنّهم أصرّوا وعملوا على بناء الدولة اللبنانيّة الوطنيه بمؤسّساتها، ورفضوا منطق الميليشيات المذهبيّة والطائفيّة وفكرة الدويلات؟ بل وأكّدوا في مواقفهم وأدبيّاتهم ووثائقهم السياسيّة والدينيّة نهائيّة الكيان اللبناني من خلال الثوابت الإسلامية العشر الّتي أُعلنت من بهو دار الفتوى بشهر ايلول عام 1983م؟ برعاية وحضور المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد؛ ومشاركة الامام مهدي شمس الدين والرئيس حسين الحسيني والرئيس عادل عسيران والرئيس صائب سلام، والرئيس تقي الدين الصلح ورئيس محكمة التمييز الدرزية الشيخ حليم تقي الدين والوزير سامي يونس.

أم لأنّ المسلمين السنة في لبنان؛ رفضوا ويرفضون المشروع الصفوي الفارسي ومشروع تحالف الأقليات، اللذين استحسنهما وانبهر بهما نظام الملالي في ايران؛ وروّج وعمل لهما التحالف "الصهيو أميركي" لزرع الفتن بين المسلمين من ناحية؛ وبين المسيحيّين والمسلمين من ناحية أخرى.

المسلمون الوطنيون العروبيون هؤلاء هم الّذين كانوا على الدوام ضحايا الاغتيال لزعاماتهم وقياداتهم السياسيّة والدينيّة، فمن اغتيال الرئيس رياض الصلح عام 1951م، الى اغتيال النائب معروف سعد عام 1975م الى اغتيال الرئيس رشيد كرامي عام 1987م، واغتيال النائب والوزير ناظم القادري عام 1989م واغتيال المفتي الصالح الشيخ حسن خالد عام 1989م، وقبله اغتيال الشيخين أحمد عسّاف عام 1982م والعلامة الشيخ صبحي الصالح عام 1986م، وأعقبت هؤلاء الشهداء جريمة العصر باغتيال باني لبنان المعاصر الرئيس رفيق الحريري عام 2005م وما بعده من شخصيّات إسلاميّة سنّية معروفة؛ وأخرى لبنانيّة وطنية اصيلة؛ حملت أفكاراً وتوجّهات المسلمين من أهل السنّة والجماعة الّذين رفضوا منطق الميليشيات والدويلات ضمن الدولة أو خارجها؛ وعملوا باستمرار لنهوض الدولة الوطنية الحديثة؛ وزرع ثقافة المواطنة بين اللبنانيّين، حتّى إنّ التيّارات والتنظيمات الّتي أسّستها أو عملت لها القيادات الإسلاميّة السنّية كانت تيّارات وتنظيمات وطنية وعربية عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق.

ومن أجل بناء الدولة الوطنية رفع المسلمون السنّة وقياداتهم شعار نهائيّة الكيان اللبناني (المفتي الشهيد حسن خالد )؛ ولبنان واحد لا لبنانان ( الرئيس صائب سلام)؛ وما في حدا اكبر من بلده (الرئيس الشهيد رفيق الحريري)؛ ولبنان أوّلاً (الرئيس سعد رفيق الحريري)؛ في الوقت الّذي عمل ويعمل الآخرون على بناء وتحصين مستنقعاتهم وأنفاقهم الطائفية؛ وتقوقعاتهم المذهبيّة، حتّى بات لبنان قبل "وثيقة الطائف" وبعدها ساحةً لتوجّهات الآخرين إقليمياً ودولياً، أو مرتعاً لدويلات بعضها محصّن عسكرياً بدعم خارجي؛ وبعضها الآخر طائفياً معقداً لإعادة عقارب السّاعة الى ما قبل "وثيقة الطائف"، بل الى عصر حكم بعض الطائفة وليس الطائفة؛ وهذا ما أدّى ويؤدّي الى الفراغ الرئاسي، والحكومي الى أشهر وسنوات، وربما يصل الى ذوبان الوطن وكيانه.

وحده المواطن اللبناني مسلماً كان أو مسيحياً يدفع ثمن هذا الجنوح المقيت والعناد الاحمق وثقافة الالغاء الاسود؛ الذي يمارسه رأس السلطة في بعبدا وفريقه الارعن في لبنان. المسلمون السنّة وحدهم وقياداتهم يقدّمون التضحيات؛ ويتحمّلون سلبيّات ونتائج التسويات ليحيا الوطن وتُبنى الجمهوريّة؛ بعيداً من المحاور التي ترفع شعارات فارغة ومضللة وحتى كاذبة بشأن القضية الفلسطينية وتحرير قدسها؛ بهدف امرار مشاريعهم المذهبية، وتوسعاتهم الحالمة في عواصم عربية أربع.

فإلى متى سيبقى المسلمون السنّة وقيادتهم وحدهم يدفعون الأثمان؟ والى متى يستمرّ العناد في تعطيل بناء الدولة الوطنية الحديثة من قبل الثنائي "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"؛ انطلاقاً من روحية وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الطائف) والتي يحاول الرئيس ميشال عون والصهر جبران باسيل تجويفها وتفريغها من مضمونها، بحجّة إيجاد أعراف لاستعادة الحقوق وبناء الدولة العرجاء على مقاس ميشال عون وجبران باسيل وحليفهما "حزب الله"؟

ألا يكفي هذا الاهتراء وذاك الإحباط؟ ومتى تدرك بعض القوى الجامحة أنّ المسلمين السنّة في لبنان هم الأعمق تاريخياً، والأكثرعدداً وعطاءً، وتضحية؟ ومتى يدركون أنّ قيادات المسلمين، السياسيّة والدينيّة، تعمل بصمت ومسؤولية وطنية، وتعرف وتصبر وتضحّي ليبقى لبنان الدولة والكيان، سيّداً حراً عربياً مستقلّاً متعاوناً مع اشقائه العرب وكل اصدقائه؟

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.