طرحت الدراستان أحدث نتائج تجربة عيادية أميركية اسمها "تحديد عوامل التنظيم والبصمات الحيوية للاستجابة المضادة للاكتئاب في الرعاية العيادية" أو EMBARC.
تهدف هذه التجربة إلى تصميم اختبارات موضوعية تشتق من المعطيات البيولوجية للمرضى لانتقاء أفضل علاجات للاضطرابات المزاجية وتقليص هامش الأخطاء عند وصف الأدوية.
كان البروفيسور مادهوكار تريفيدي من قسم الطب النفسي في جامعة تكساس المشرف الرئيس على التجربة، وقد صاغ بدوره أحدث تقريرَين عنها.
يوضح تريفيدي، وهو المدير المؤسس في "مركز أبحاث الاكتئاب والرعاية العيادية" في جامعة "تكساس ساوث ويسترن": "يجب أن نوقف لعبة التخمينات ونطرح تدابير موضوعية لوصف مقاربات ناجحة. يكون مرضى الاكتئاب يائسين أصلاً، وقد تتفاقم المشكلة إذا أخذوا أدوية غير فعالة".
انطلقت تجربة EMBARC لأن دراسة سابقة أشرف عليها تريفيدي اكتشفت أن ثلثَي الناس تقريباً لا يتجاوبون بالشكل المناسب مع دواء الاكتئاب الأولي.
يمرّ معظمهم بلحظات من الحزن أو يشعرون بالإحباط لأيام، وتحديداً بعد عيش أحداث عصيبة. لكنّ الاكتئاب مرض نفسي، ولا تزول هذه الأعراض وسواها في هذه الحالة بل تزداد حدة.
تتعدد أعراض الاكتئاب، منها شعور دائم بالحزن واليأس، وفقدان الاهتمام بنشاطات كانت ممتعة سابقاً. كذلك، تبرز مؤشرات أخرى، مثل تعكر المزاج، والقلق، والتعب، والتوتر، وصعوبة في اتخاذ القرارات والتركيز.
لا يواجه جميع مرضى الاكتئاب الأعراض نفسها بالضرورة، ولا يعني تشابه الأعراض أن العلاج نفسه يفيد الجميع.
وفق المنظمة غير الربحية Our World in Data، زادت حالات الاكتئاب عالمياً من 170 مليوناً في العام 1990 إلى 265 مليوناً في العام 2017، وتكون المرأة أكثر عرضة للمرض من الرجل.
أطلق تريفيدي وزملاؤه تجربة EMBARC الممتدة على 16 أسبوعاً في العام 2012، وجرت في أربع مناطق أميركية، وراقبت 296 شخصاً مصاباً باضطراب الاكتئاب الحاد.
خضع المشاركون لمسوحات دماغية متنوعة عبر التصوير بالرنين المغناطيسي، وقدموا عينات من دمهم لفحص الحمض النووي وإجراء اختبارات أخرى، وشاركوا في استطلاعات لتقييم أعراضهم. اشتقت البيانات من مشاركين طُلِب منهم عشوائياً تلقي مضاد للاكتئاب أو دواء وهمي طوال 8 أسابيع.
استعمل الباحثون نتائج المسوحات لتحليل بنية الدماغ ونشاطه. فقارنوا تحليلات الصور لدى من تلقوا مضاد الاكتئاب "سيرترالين" ومن أخذوا الدواء الوهمي، وقارنوا النتائج أيضاً مع مجموعة مرجعية تتألف من أشخاص غير مصابين بالاكتئاب. فاكتشفوا بعض الاختلافات الدماغية بين مجموعتَي العلاج والدواء الوهمي، وقد ارتبطت باحتمال أن تتحسن الأعراض خلال 8 أسابيع.
ركزت الدراسة الواردة في "المجلة الأميركية للطب النفسي" على الرابط الوظيفي بين المناطق الدماغية حين يكون الدماغ "مرتاحاً". كشفت تلك النتائج أن أنماطاً من الروابط الوظيفية، داخل تلك المناطق وبينها، تؤدي دوراً مهماً في رصد استجابة إيجابية تجاه الدواء الذي يستهدف اضطراب الاكتئاب الحاد.
يوضح تريفيدي أن النظر إلى صور الدماغ بحالاته المختلفة قد يفسر بدقة طريقة تأثير الاكتئاب على كل فرد. في بعض حالات الاكتئاب، يمكن اعتبار نتائج مسوحات الدماغ في أوقات الراحة مؤشراً مفيداً لتقييم فعالية الدواء أكثر من المسوحات التي تجري حين ينشط الدماغ (خلال معالجة العواطف مثلاً). لكن يكون الوضع معاكساً في حالات أخرى.
في الدراسة الواردة في مجلة "السلوك البشري الطبيعي"، ركّز الباحثون على نتائج تصوير نشاط الدماغ خلال معالجة العواطف. اشتقت البيانات المستعملة من مسوحات خضع لها المشاركون عبر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي بعد إتمام مهمة فرضت عليهم تحليل صراعاتهم العاطفية.
لتنفيذ تلك المهمة، نظر المشاركون إلى صور وجوه بشرية تكشف عواطف متنوعة. ترافقت كل صورة مع كلمة أو عبارة تَصِف عاطفة معينة.
لكن لم تكن الكلمة تَصِف العاطفة بالشكل المناسب دوماً، بل أشارت أحياناً إلى شعور مختلف بالكامل. قد تترافق كلمة "سعيد" مثلاً مع وجه ترتسم عليه معالم الخوف. قرأ المشاركون الكلمة قبل اختيار الصورة التالية.
بمساعدة تقنية "التعلم الآلي"، نوع من الذكاء الاصطناعي، اكتشف الباحثون مناطق دماغية قادرة على توقع مدى فعالية دواء "سيرترالين" لدى المرضى.
وبفضل هذا التحليل المبني على الذكاء الاصطناعي، تبيّن أن المجموعة التي اختلفت أنماطها الدماغية خلال معالجة العواطف عن أنماط المصابين باكتئاب حاد كانت الأقل ميلاً إلى تسجيل تحسّن في الأعراض تزامناً مع تلقي علاج "سيرترالين" طوال 8 أسابيع.
يظن تريفيدي أن تحسين طريقة اختيار مضاد الاكتئاب المناسب منذ البداية يتطلب على الأرجح خليطاً من فحوصات الدم وتحليل المسوحات الدماغية: "الاكتئاب مرض معقد يصيب الناس بطرقٍ مختلفة. مثلما تتعرّف التكنولوجيا على البشر عبر بصمات أصابعهم ومسح وجوههم، تثبت هاتان الدراستان أننا نستطيع استعمال تقنيات التصوير لرصد مؤشرات اكتئاب محددة لدى الناس".