تحت حُكم "طالبان"... فوضى هادئة في كابول

02 : 01

عناصر "طالبان"
يمكن تلخيص الوضع في أفغانستان بعد شهر على عودة "طالبان" إلى السلطة بعبارة "الفوضى الهادئة". ساد شكل من الفوضى الإجرائية والارتباك الوطني غداة انسحاب القوات الخارجية وإجلاء الأجانب وآلاف الأفغان في أسرع وقت بحثاً عن مكان آمن بعد سقوط كابول. لا أحد يعرف بعد إلى أي حد سيكون الحكام الجدد وحشيين. لكن يدرك الجميع في المقابل أن أيام العلاقات السياسية والاجتماعية الهادئة نسبياً انتهت. تكمن المفارقة في تزامن هذه الفوضى مع شكلٍ من النظام.

على مر سنوات عدة، كان عبور البلد براً أمراً مستحيلاً. نشرت حركة "طالبان" نقاط تفتيش خطيرة في الأماكن الواقعة خارج سيطرة الحكومة وكانت الجرائم على الطرقات أكثر شيوعاً. اليوم، أصبح التجول في البلد أكثر سهولة من أي وقت مضى.

تعهدت الحكومة الجديدة بتجديد روحية الإسلام في أنحاء الوطن، لكنها تحتاج إلى الخبرات والإجراءات المؤسسية وموظفي الجمهورية السابقة لإدارة البلد. قرر عدد كبير من الموظفين الإداريين البقاء في مناصبهم ومتابعة عملهم تحت إشراف الحكام الجدد. من دونهم، سيصبح نظام الدولة كله في حالة من الفوضى.

لا تزال الأحكام الرسمية حول ملابس النساء غير واضحة حتى الآن، لكن تعرف كل امرأة في هذا البلد معنى عودة "طالبان". رغم مقاومة الناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي ونشرهنّ صوراً وهنّ يرتدين الرداء الأفغاني التقليدي ويرفعن هاشتاغ #donttouchmyclothes (لا تلمسوا ملابسي)، تعكس ملابس النساء في الشوارع خوفاً حقيقياً بدل أن تعبّر عن رفض الواقع. تواجه النساء المجهول اليوم، ويفضّل عدد كبير منهنّ ملازمة المنزل.

تعمد نساء أخريات إلى تحديث خزانة ملابسهنّ في أسرع وقت. تتجول حميدة كريمي، طبيبة أسنان عمرها 28 سنة، في أحد مراكز التسوق في وسط كابول ويتناقض وجهها الجميل وملامح الثقة عليه مع العباية السوداء الفضفاضة التي ترتديها والحجاب العنابي على رأسها. هي تبحث عن ملابس محافِظة بما يتماشى مع القواعد الجديدة وغير المكتوبة، لكنها تتسوق بكل برودة.

تقول كريمي: "كنتُ أرتدي دوماً ملابس قصيرة لا تتجاوز حدود الركبة. كانت تلك الملابس مريحة وكنت أستطيع التجول في الشوارع وحدي، حتى في فترة المساء. لكني لا أتنقل اليوم إلا في سيارة أجرة. سمعتُ أنني قد أتعرض للهجوم أو الإهانة لذا اضطررتُ لشراء ملابس جديدة. لم يسبق أن واجهتُ وضعاً مماثلاً لكني سمعتُ عن هذه القصص. كنتُ أدرس اللغة الألمانية لكني توقفتُ حديثاً عن حضور الحصص لأن التعليم المختلط لم يعد مسموحاً. يمكنني أن أحضر الحصص مع النساء فقط، لكننا نشعر جميعاً بالخوف. أنا أدرس عبر الإنترنت الآن".


صورة ممزّقة للرئيس الأفغاني السابق


قررت كريمي متابعة العمل لأنها لا تريد التخلي عن مرضاها. لكن تغيّرت ظروف العمل أيضاً، فهي لم تعد تستطيع إدارة العيادة مع شريكها لأنه رجل، ولا يمكنها استقبال إلا النساء الآن. لم يجبرها أحد على فعل ذلك، لكنها تفضّل هذه الطريقة حفاظاً على سلامتها: "لم تحصل أي تغيرات إيجابية خلال الشهر الأخير. أقفلت البنوك أبوابها وانهارت الإدارات المحلية والوزارات أيضاً. ولا نعرف بعد هوية المسؤولين في الحكومة الموقتة. يخشى الأولاد الذهاب إلى المدرسة ويخافون من الرجال المسلحين. أنا أعجز عن النوم ليلاً لأن الكوابيس تراودني".

تريد كريمي أن تغادر البلد في أسرع وقت ممكن، لكن أصبحت فرص تحقيق ذلك ضئيلة اليوم. يبحث آلاف الأفغان عن فرص لمغادرة البلد. لا أهمية لوجهتهم طالما يبتعدون عن حُكم "طالبان" الصارم.

جرّب مرتضى سلطاني (19 عاماً) جميع الطرق المتاحة للهرب، لكن من دون جدوى حتى الآن. في آخر سنتين، كان يدير محل حلاقة في وسط كابول، وقد بذل جهوداً كبرى لتصميم المتجر المغطى راهناً بالخشب والمليء بعباءات تحمل صورة العلم الأميركي. قبل عودة "طالبان"، كان يستقبل حوالى 20 زبوناً يومياً. لكن منذ أن منعت "طالبان" تقليم اللحى، لم يعد الناس يقصدونه.

يضيف سلطاني: "الناس خائفون. سبق وقصد عناصر "طالبان" بعض المتاجر التي يديرها أصدقائي وطلبوا منهم وقف تقليم اللحى وقصّ شعر الناس على الطريقة الغربية. أنا لا أخاف من "طالبان" لكنّ متابعة العمل أصبحت مهمة صعبة. أشعر بالقلق على عملي. يبلغ إيجار المحل 500$ شهرياً ولا نستطيع تحمّل هذه الكلفة". ينتمي سلطاني إلى جماعة الهزارة العرقية وليس رجلاً ملتحياً. هذا الوضع أيضاً قد يُسبب له المشاكل مستقبلاً. قد يضطر قريباً لإقفال متجره. سبق وأقفل المتجر المجاور الذي يبيع أقراص الفيديو الرقمية أبوابه.


https://s.nidaalwatan.com/storage/attachments/58/temp_110843jpg_900139_881088.jpghttps://s.nidaalwatan.com/storage/attachments/58/temp_110843jpg_900139_881088.jpg

في أحد سجون "طالبان" في العاصمة


في الشهر الماضي، خسرت كابول جزءاً من سحرها السابق. اختفت جميع الجداريات التي كانت تسلّط الضوء على المشاكل الاجتماعية والفساد وحقوق المرأة من جميع زوايا المدينة الآن واستُبدِلت برسائل دينية. لم يتبقَ إلا عدد ضئيل من تلك الجداريات، لكن من الواضح أنها ستختفي قريباً، تزامناً مع اختفاء علم البلد القديم ذات الألوان الثلاثة. أصبح علم "طالبان" الأبيض الذي يحمل كتابة سوداء منتشراً في كل مكان. إنه أهم منتج لدى الباعة المتجولين في هذه الأيام.

لكن لا يشعر الجميع بالقلق من عودة "طالبان". يقول وزير محمدي، بائع موز عمره 23 عاماً من ولاية "كابيسا"، إن الجرائم في الشوارع تراجعت منذ استيلاء "طالبان" على البلد: "لقد سررتُ بوصول "طالبان" إلى كابول. في السابق، كان البلد يعج باللصوص الذين يسرقون الموز والمال. تعرّضتُ للسرقة ثلاث مرات. الوضع آمن الآن".

لكن يترافق النظام الجديد مع بعض السلبيات أيضاً.

يضيف محمدي: "في الماضي، كنتُ أكسب حتى 10 آلاف أفغاني شهرياً، لكن تقتصر أرباحي اليوم على 5 أو 6 آلاف. لم يعد الناس يريدون شراء المأكولات لأن الأعمال توقفت ولا يملك الجميع المال ولا يريدون مغادرة منازلهم. لقد تغيّر الوضع كله بعد وصول "طالبان".

لا أحد يعرف بعد إلى متى ستستمر الأزمة الاقتصادية. أدى الجفاف إلى تهجير آلاف الناس وتسود مخاوف من أن تواجه أفغانستان نقصاً في المواد الغذائية قريباً. تتركز معظم الاحتياطيات الأجنبية الأفغانية التي تصل قيمتها إلى 9.5 مليارات دولار خارج أفغانستان. كذلك، تجمدت الأموال وفرضت البنوك سقفاً على عمليات سحب الأموال وحصرتها بمبلغ 200$ أسبوعياً. ولم يتلقَ الموظفون الحكوميون رواتبهم في آخر ثلاثة أشهر، وتعج الأسواق الأفغانية بأشخاص يريدون بيع مقتنياتهم.

لم يتضح أيضاً المسار الذي تنوي "طالبان" اتخاذه على المدى الطويل. سبق وبدأت عمليات تفتيش المنازل، ومُنِعت الاحتجاجات، وفُرِض قرار يقضي بالفصل بين الجنسَين في المدارس. كذلك، تعرّض عدد من الصحافيين المحليين لضرب مبرح على يد الشرطة الجديدة. لكن يعتبر الناس العاديون والأجانب أن "طالبان" لا تزال متساهلة حتى الآن.

على صعيد آخر، ظهر شبان ملتحون في شوارع كابول، وهي شوارع لم يعرفوها يوماً ولا يفهمون طبيعة الحياة فيها. يأتي عدد كبير منهم من المقاطعات، وأُطلِق سراح آخرين من السجون منذ أسابيع قليلة. لا يصعب التعرف على عناصر "طالبان" في العاصمة اليوم. تتعدد العوامل التي تُسهّل رصدهم، منها الشعر الطويل، واللحية غير المشذبة، والملابس التقليدية، والعمامة أو قبعة صغيرة لها فتحة من الأمام.

يتجول عناصر "طالبان" في الشوارع داخل سيارات "جيب" كبيرة وَرِثوها من الجيشَين الأفغاني والأميركي، ويرفعون عليها أعلاماً ضخمة. لكن يستمتع عدد كبير منهم بأجواء المدينة بكل بساطة، فيقصدون حدائق الحيوانات والملاهي والأماكن العامة، ويلتقطون صور السيلفي، ويستمتعون بنفوذهم المستجد. عند مشاهدتهم، يسهل أن نستنتج أن الانقسامات الأساسية داخل المجتمع الأفغاني لا تقتصر على الدين والانتماء العرقي بل تتعلق أيضاً بالاختلافات الطبقية. معظم شبان "طالبان" غير متعلمين وقد تربّوا خارج المدن الكبرى، وهم مسؤولون عن البلد الآن ويريدون التعرّف على عاصمتهم الجديدة.


تنظيم السير في شوارع كابول


في غضون ذلك، يقصد مقاتلو "طالبان" السجون التي أصبحت فارغة الآن بعدما فُتِحت أبوابها تزامناً مع سقوط كابول. أمضى بعضهم مدة معينة وراء القضبان، وزار آخرون السجون لاسترجاع الذكريات.

أمضى قدرة الله ناظم عشر سنوات في سجن بل الشرقي في كابول. هو يتجول الآن بين أروقة السجن مع مجموعة من عناصر "طالبان" ويعود بذكرياته إلى أيام اعتقاله هناك. يعترف ناظم بأنه قتل عدداً من الناس. هو في الأصل من قندهار ويقود جماعة ناشطة في كابول وهلمند وقندهار. ذهب شقيقه في مهمة انتحارية ويفتخر به ناظم كثيراً. العائلة كلها فخورة به.

يقول ناظم: "لقد هاجموا بلدنا في العام 2001 وكانوا وحشيين وقصفوا قاعات الزفاف والمدارس الدينية والمساجد. نحن دافعنا عن أرضنا وشعبنا وديننا بكل بساطة".

كانت فترة سجنه صعبة. هو يتذكر جيداً التعذيب الذي تعرّض له بالغاز المسيل للدموع والصعقات الكهربائية والضرب. اليوم، يستمتع ناظم بعودته إلى السجن ويزور زنزانته القديمة. هو حر طليق الآن، لكنّ ذلك المكان سيبقى جزءاً مهماً من قصته وتاريخ أفغانستان إلى الأبد. يشعر ناظم بالفخر لأن "طالبان" نجحت في هزم العدو. لكنه لا يستطيع تفسير نوع النظام القانوني الذي سيصبح بديلاً عن النظام القديم.

يضيف ناظم: "نحن سنفرض الشريعة الإسلامية. لن نُركّز على العقاب بل على منع الجرائم. سنحاول تجنب الفساد. وإذا ارتكب أحد جريمة معينة، سنعاقبه وحده بدل معاقبة عائلته كلها، على عكس ما كانت تفعله الحكومة السابقة".

حتى الآن، أثبتت "طالبان" قدرتها على منع الجرائم. يعيش البلد في خوف دائم، لكن لم تتضح بعد قدرة الحكام الجدد على حُكم البلد والسيطرة عليه، مثلما يبقى الوجه الحقيقي لحركة "طالبان" الجديدة غير واضح.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.