نهج أنجيلا ميركل سيستمرّ

02 : 01

تُعتبر نهاية عصر أنجيلا ميركل لحظة تغيير بارزة. يخشى مناصرو المستشارة الألمانية المنتهية ولايتها أن ينتهي الاستقرار الذي نجحت في ترسيخه أو أن تتراجع قوة ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه، بما أن تلك القوة تشتق من نفوذ ميركل الشخصي ومكانتها المرموقة برأيهم. في المقابل، يأمل منتقدوها في أن تنجح ألمانيا الآن في تطبيق الإصلاحات التي أهملتها ميركل خلال ولايتها، فتتكثف المساعي لتحصين ألمانيا من أحداث المستقبل مثلاً ولتكييف سياستها الخارجية مع حقبة المنافسة المحتدمة بين القوى العظمى.

على أرض الواقع، لم تحصل تغيرات كبرى بقدر ما خشي الفريق الأول أو بقدر ما أمل الفريق الثاني. أنتجت الانتخابات في 26 أيلول نتيجة غير جازمة: حصد "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" أقل من 26% من الأصوات بقليل، و"الاتحاد الديمقراطي المسيحي" أكثر من 24% بقليل. فاز الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتز وخسر الديمقراطي المسيحي أرمين لاشيت ولكن كلاهما تعهد بمتابعة نهج ميركل، حتى أنهما حاولا تقليد أسلوبها. كذلك، يتبنى كلاهما موقفاً وسطياً داخل حزبَيهما.

بغض النظر عن هوية المستشار الجديد ستكون الحكومة المقبلة عبارة عن ائتلاف مبني على تسوية مشتقة من مفاوضات بدأت للتو. نتيجةً لذلك، من المستبعد أن تتخلى الحكومة المرتقبة عن السياسات الوسطية التي اعتمدها الائتلاف الكبير بين "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" و"الحزب الاشتراكي الديمقراطي" طوال 12 سنة من عهد ميركل الذي امتد على 16 سنة. قد تحصل تغيرات معينة في السياسة الداخلية، ولن تتغير السياسة الخارجية الألمانية كثيراً. باختصار، من المتوقع أن يستمر الإجماع حول ميركل رغم انتهاء عهدها، ما يعني أن المعسكر الذي يأمل في اعتماد مقاربة جديدة في منطقة اليورو أو تجاه دول استبدادية مثل الصين سيخيب أمله.

غالباً ما يرتكز تقييم أداء ميركل على ما تقوله أكثر مما تفعله. اتّضح ذلك مثلاً بعد انتخاب دونالد ترامب في العام 2016، فأعلن بعض المحللين والإعلاميين في تلك الفترة أن ميركل أصبحت "قائدة العالم الحر" الجديدة نتيجة ردّها على انتصار ترامب بكل بساطة. قالت ميركل حينها: "ألمانيا والولايات المتحدة مترابطتان بفعل قيم الديمقراطية والحرية واحترام القانون وكرامة الإنسان، بغض النظر عن الأصل العرقي، ولون البشرة، والدين، والنوع الاجتماعي، والميول الجنسية، والآراء السياسية. أنا أعرض على رئيس الولايات المتحدة المقبل تعاوناً وثيقاً على أساس هذه القيم". برأي الكثيرين، لا سيما أعضاء الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، أكّد هذا الموقف الهادئ نسبياً على أن ميركل شخصية مناقضة لترامب.

تَكرّر وضع مشابه خلال أزمة اللاجئين في العام 2015، علماً أن عدداً كبيراً من منتقدي ميركل اعتبر أداءها في هذا الملف من أبرز إنجازات عهدها. وَصَف المحللون والمعلقون ميركل كزعيمة إنسانية نموذجية بسبب ما قالته ("يمكننا تحقيق ذلك!")، لا بفضل ما فعلته حكومتها على أرض الواقع. لم تفتح ألمانيا حدودها لأكثر من مليون طالب لجوء في العام 2015 كما يظن الكثيرون، بل إنها عجزت بكل بساطة عن منعهم من الوصول إلى هناك. كذلك، عادت ميركل وغيّرت مسارها لاحقاً واتخذت خطوات مختلفة لمنع وصول المهاجرين إلى أوروبا، حتى أنها عقدت صفقة مريبة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإبقاء المهاجرين في تركيا.

كانت أهم مهارة سياسية تتمتع بها ميركل تتعلق بتجسيد الإجماع القائم في السياسة الألمانية في آخر عقدَين. قبل انتخابها للمرة الأولى كمستشارة ألمانيا في العام 2005، كان "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" قد انتقل إلى معسكر اليمين أصلاً في مجال السياسة الاقتصادية في عهد المستشار غيرهارد شرودر وطبّق سلسلة من الإصلاحات البنيوية المرتبطة عموماً بتوجهات معسكر اليمين. ثم شكّلت ميركل بعد انتخابها ائتلافاً حكومياً كبيراً مع "الحزب الاشتراكي الديمقراطي"، وهو الأول من أصل ثلاثة في آخر أربع فترات انتخابية، ما أدى إلى ترسيخ الإجماع الوسطي في السياسة الألمانية. كذلك، سحبت ميركل "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" إلى معسكر اليسار في المسائل الاجتماعية والثقافية، ما سمح "بتحديث" الحزب برأي الكثيرين، لكن كان هذا التوجه مبالغاً فيه بنظر عدد كبير من الألمان المحافظين.

تابعت ميركل توجهات الرأي العام عن قرب على مر عهدها، وقد وجّهت استطلاعات الرأي جميع القرارات المهمة التي اتخذتها، بما في ذلك الخطوات التي اعتبرها مناصروها إثباتاً على قيادتها الشجاعة والحاسمة، منها الترحيب باللاجئين في العام 2015 أو تسريع إغلاق محطات الطاقة النووية في ألمانيا بعد كارثة فوكوشيما في اليابان في العام 2011. وخلال الحملات الانتخابية، حاولت ميركل تجنّب مناقشة المسائل المثيرة للجدل والتكيّف مع سياسات الأحزاب الأخرى لمنع الناخبين من التصويت لصالحها.

هذه الاستراتيجية سمحت لميركل بالبقاء في السلطة طوال 16 سنة، وكانت لتسمح لها بالبقاء في منصبها لفترة أطول بعد لو لم تقرر التنحي بعد أربع ولايات في السلطة. لكن كانت استراتيجية ميركل مريعة بالنسبة إلى الديمقراطية الألمانية. في هذا السياق، تقول العالِمة السياسية شيري بيرمان إن السياسة الألمانية لم تتسم في آخر عقدَين بالانقسام بل الإجماع. لكن ترافق هذا الوضع مع ثمن معيّن: التفّ "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" و"الحزب الاشتراكي الديمقراطي" حول ميركل إيديولوجياً، لكن برزت في المقابل "فجوة تمثيلية" واضحة، فاقتنع عدد كبير من الألمان بأن أحداً لا يمثّل وجهة نظرهم.

نتيجة هذه التطورات، ظهر حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، ويُعتبر ظهوره جزءاً أساسياً من إرث ميركل. كان نشوء هذا الحزب، كما يشير اسمه، رداً مباشراً على سياسات ميركل المبنية على غياب الخيارات البديلة، لا سيما طريقة تعاملها مع أزمة اليورو التي بدأت في العام 2010 وأزمة اللاجئين في العام 2015. خلال الانتخابات الأخيرة، في العام 2017، وصل حزب "البديل من أجل ألمانيا" إلى البوندستاغ، وهي المرة الأولى التي يُحقق فيها حزب يميني متطرف هذه النتيجة منذ تأسيس الجمهورية الاتحادية في العام 1949. كانت زيادة شعبية حزب "البديل من أجل ألمانيا" جزءاً من السبب الذي دفع ميركل إلى تشكيل ائتلاف كبير آخر مع "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" بعد تلك الانتخابات. لكن أصبح "البديل من أجل ألمانيا" أهم حزب معارِض بسبب هذه الخطوة تحديداً.

لكن رغم صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا"، لم يتأثر الإجماع حول ميركل ومن المتوقع أن يستمر في الحكومة المقبلة. ستحصل تغيرات حتمية في بعض مجالات السياسة الداخلية، مثل طريقة تسديد النفقات على البنى التحتية وتحديد أفضل مقاربة لتخفيف مظاهر التغير المناخي، لكن في معظم المسائل التي تهمّ أوروبا والولايات المتحدة وبقية دول العالم، ستكون الخلافات بين الأحزاب كفيلة بإلغاء توجهات كل واحد منها. يبدو "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" مثلاً أكثر تجاوباً من "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" في ملف إصلاح منطقة اليورو. لكن يبدو "الحزب الديمقراطي الحر" الذي حصد 11.5% من الأصوات أقل تجاوباً بكثير، وسيطالب على الأرجح بوزارة المال كشرط أساسي للانضمام إلى الائتلاف الحكومي. هذا الوضع سينسف أي احتمال بتطبيق إصلاحات حقيقية في قواعد الاتحاد الأوروبي المالية عبر الائتلاف الذي يشمل "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" و"الحزب الديمقراطي الحر" وحزب "الخضر" الذي حصد 15% من الأصوات.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.