الذكاء الاصطناعي: كيف تحارب أدوات التكنولوجيا المتطوّرة التغيّر المناخي؟

02 : 00

بدأ الذكاء الاصطناعي يساعد الباحثين ومخططي المدن والناشطين وحتى الشركات على تجنب الإساءة إلى المناخ. يمكن استعمال أنظمة الحلول الحسابية لرصد دمار الغابات وتخفيض الانبعاثات، أو حتى التنصت على الحيوانات في المحيطات.

يُغرِق مخططو المدن وصانعو القرار في "المعهد النمسوي للتكنولوجيا" في فيينا الأحياء السكنية بأمطار غزيرة ويغلّفون المساحات العامة بأجواء من الحر الخانق: هم يعرضون سيناريوات مستقبلية متنوعة على شاشات عرض تفاعلية في مختبر "إنتليجينس سيتي" لتجهيز العواصم الكبرى وتحضيرها لمحاربة التغير المناخي.

يقول نيكولاس نوبيرت، رئيس قسم "المدن والمناطق الرقمية المرنة" في "المعهد النمسوي للتكنولوجيا": "تتمحور رؤيتنا حول ترسيخ حمض نووي مناخي داخل المدن". يستعمل فريقه الذكاء الاصطناعي للمشاركة في تخطيط المدن بطرقٍ تجعلها مقاوِمة للمناخ، تزامناً مع إنتاج أصغر بصمة بيئية ممكنة.

يحاكي برنامج الذكاء الاصطناعي ظروفاً معينة لتحديد مدى تناسب المناطق مع المشاريع السكنية الجديدة، ويحلل طريقة تأثير أسلوب البناء والمسافات الفاصلة بين المباني أو الأسطح الخضراء على نوعية الهواء أو تصريف مياه الأمطار. حتى إنه قد يُقيّم تأثير محطات القطارات الجديدة أو تصميم مناطق المشاة على تدفق حركة المارة أو السيارات وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

لكن يضيف نوبيرت: "يجب ألا يُحدد الذكاء الاصطناعي وحده شكل مدننا". سبق وطوّر المعهد استراتيجية للتكيف مع المناخ في مدن مثل "لينز" في النمسا، حيث تصل حرارة الطقس أحياناً إلى 40 درجة مئوية خلال الصيف. تشمل هذه المقاربة زرع الأشجار، وإنشاء المزيد من المساحات والأسطح والواجهات الخضراء، فضلاً عن تركيب أشرعة شمسية أو مرشّات مياه يمكن تشغيلها في الحر الشديد.

لا يسخّر المهندسون المعماريون ومخططو المدن وحدهم قوة الذكاء الاصطناعي للتأقلم مع التغير المناخي وتخفيف حدّته. بل يتكل الباحثون والناشطون البيئيون والشركات أيضاً على أنظمة الحلول الحسابية التي تُقيّم كميات كبيرة من المعلومات أو الصور بطريقة آلية، وتُحدد النزعات الطاغية في الغابات والمحيطات وقطاع النقل وإنتاج الطاقة، أو تلك التي تتوقع حالة الطقس انطلاقاً من مصادر متنوعة للبيانات.

تكشف الدراسات التي تقوم بها المؤسسات الاستشارية أن الشركات تستطيع تخفيض انبعاثاتها بدرجة كبيرة مستقبلاً عبر استعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي. حتى أن البعض يتوقع حصول "ثورة استدامة" انطلاقاً من الذكاء الاصطناعي. لكن يحذر الخبراء من اعتبار هذا الذكاء حلاً شاملاً لجميع المشاكل في المعركة القائمة ضد الأزمة المناخية.

تقول لين كاك المتخصصة بأبحاث التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والسياسة العامة في مدرسة "هيرتي" في برلين: "يمكن استعمال الذكاء الاصطناعي كأداة للقيام بأي شيء. تستطيع التقنيات الجديدة أن تزيد حماية المناخ، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى زيادة انبعاثات غازات الدفيئة حين تستخدم شركات النفط التعلم الآلي مثلاً لاستخراج الموارد بفاعلية مضاعفة". كذلك، لا يزال عدد كبير من التطبيقات حديث العهد، ولم يقيّم أحد بعد تأثيرها على التغير المناخي.

لكن لم يتّضح حتى الآن إلى أي حد تسهم أدوات الذكاء الاصطناعي، بعملياتها المحوسبة المعقدة، في زيادة استهلاك الطاقة. في هذا المجال أيضاً، ثمة نقص في البيانات الدقيقة حول القدرات المحوسبة التي يمكن نَسْبها إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي. تقول كاك: "سنتمكن على الأرجح من تحديد أي آثار إيجابية أو سلبية للذكاء الاصطناعي على مستوى المناخ، أو غياب أي تأثير مماثل، خلال بضع سنوات".

لكن بدأت المنظمات والشركات تستعمل أدوات الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية في بعض المناطق، وقد تستفيد تدابير حماية المناخ والبيئة منها أيضاً. تساعد تحليلات الذكاء الاصطناعي الشركات في قطاع الطاقة مثلاً على تفعيل هذه العمليات وكبح الانبعاثات عبر تحسين مستوى التطابق بين إمدادات الطاقة المتجددة وحجم الطلب.

تضيف كاك: "في مجال الطاقة المتجددة مثلاً، يجب أن نفهم جيداً طريقة اختلاف توليد الطاقة خلال الدقائق القليلة المقبلة لإطلاق رد مناسب وتقوية محطات أخرى لتوليد الطاقة سريعاً. بفضل الذكاء الاصطناعي، تستطيع الشركات أن تُحسّن التوقعات حول مسار توليد الطاقة، حتى إنها قد تتخذ قرارات أفضل حول عدد محطات الطاقة الإلكترونية لمضاهاة مستوى توليد الطاقة وضمان تطابقه مع حجم الطلب". لتحقيق هذا الهدف، سيتم تحليل معطيات الطقس والبيانات التاريخية، حتى إن هذه العملية قد تشمل بيانات فيديو محوسبة. تظن كاك أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على أساليب التوقّع التقليدية.

على صعيد آخر، تؤدي أدوات التصوير الجوي والتحليل دوراً أساسياً في حماية مساحات كبيرة من الغابات والأراضي الرطبة التي يصعب الوصول إليها. قد يكشف التحليل الآلي للصور، انطلاقاً من الأقمار الاصطناعية أو الطائرات بلا طيار أو المروحيات، عواقب الأزمة المناخية في الغابات أو تداعيات الإفراط في استغلال الطبيعة من جانب الحطابين أو الصيادين غير الشرعيين أو الشركات غير القانونية، وقد يُسهّل توثيق الأضرار أو تطبيق تدابير مضادة في بعض الحالات.

في أستراليا، يطلق حراس الأحراش طائرات بلا طيار فوق المحميات الطبيعية لتعقب التغيرات في الحياة النباتية والحيوانية من الجو، ويُستعمَل أحد برامج الذكاء الاصطناعي لتقييم الصور. كذلك، يستخدم الخبراء أنظمة الحلول الحسابية لاحتساب عدد الحيوانات أو تحليل الأجناس النباتية والآفات، وقد تُحدد هذه التقنية المواقع التي تستدعي تدخّل حراس الأحراش للقضاء على الآفات منعاً لاختلال توازن الأراضي الرطبة. حتى إن بعض المبادرات والشركات يزرع الشتلات عبر الطائرات بلا طيار. يسيطر برنامج الذكاء الاصطناعي جزئياً على أسراب الطائرات بلا طيار ويُقيّم أفضل المواقع والزوايا لزرع الأشجار أو بذور النباتات.

كذلك، قد تسهم التقنيات الجديدة في تسريع رصد المشاكل تحت المياه. تُعتبر المحيطات مهمة في المعركة القائمة ضد الاحتباس الحراري كونها تمتص ثاني أكسيد الكربون وتنتج الأوكسجين. لكن قد تكون الأزمة المناخية مسؤولة عن تحمّض المياه وارتفاع حرارة المحيط، ما يؤدي إلى وقوع أعاصير وهطول الأمطار واندثار أنظمة بيئية مهمة مثل الشعاب المرجانية.

تُستعمل أنظمة الحلول الحسابية لمراجعة الصور الجوية، وتحديد مواقع الشعاب المرجانية، ورصد مستوى تنوّع الأجناس، ومراقبة صحة الشعاب المرجانية. طوّر العلماء في "المركز الألماني لأبحاث الذكاء الاصطناعي" نظاماً لتصنيف المخلفات البلاستيكية العائمة في المحيطات بناءً على الصور الجوية. تهدف هذه الأداة إلى دعم الحكومات في جنوب شرق آسيا، بما في ذلك كمبوديا، لمحاربة أزمة النفايات وتحديد نقاط المنشأ.

في غضون ذلك، تستعمل شركة البرمجيات الفرنسية "سيناي" بيانات بحرية أيضاً لحماية البيئة. هي تُسخّر الذكاء الاصطناعي لمراقبة الطرقات ومساعدة السفن على تخفيف استهلاكها للوقود. كذلك، تتنصت كاشفات الصوت على الحيوانات البحرية لتحديد الأجناس وتقييم وضع عدد كبير من الحيوانات في منطقة معينة. جمعت شركة "سيناي" أرشيفها الصوتي الخاص تحت المياه وهي تتابع توسيعه حتى الآن.

تقول ليا مانهوت، عالِمة بيانات في شركة "سيناي": "يُحلل نظام الحلول الحسابية مثلاً الأجناس التي تخضع للحماية في منطقة معينة قبل تركيب مزارع الرياح ويُقيّم مدى حاجة المصممين إلى تغيير خططهم". إذا ارتفع عدد الحيوانات في مواقع البناء المُخطط لها، يمكن تخفيف التلوث السمعي خلال العمل على الأقل عبر تدابير عزل معينة. لاحظت مانهوت وزملاؤها في شركة "سيناي" أن الشركات بدأت تزيد تركيزها أيضاً على الجوانب البيئية والمناخية لأسباب مرتبطة بسمعتها. تقول مانهوت إن الضغوط تتصاعد من الرأي العام.

برأي الباحثة لين كاك من مدرسة "هيرتي"، ثمة حاجة إلى اتخاذ تدابير أخرى كثيرة لمواكبة الوضع على مستوى التعاون بين الخبراء متعددي الاختصاصات. في معظم الأوقات، لا يعرف الأشخاص المهتمون بالعمل معاً الجهات التي يمكنهم اللجوء إليها لتنفيذ أفكارهم. أمام هذا الوضع، شاركت كاك في إطلاق مبادرة "الذكاء الاصطناعي للتغير المناخي" التي تهدف إلى تحسين التواصل بين خبراء المناخ والذكاء الاصطناعي. تضيف كاك: "يحتاج العلماء إلى مبالغ مالية إضافية لإجراء أبحاث متعددة الاختصاصات. لكن يتعلق أهم عامل في نهاية المطاف بتنفيذ المشاريع ويكمن النقص الحقيقي في هذا المجال بالذات". في الوقت نفسه، يجب أن تحصل الشركات المبتدئة على دعم إضافي. لكن من الضروري أيضاً أن تطلق الشركات والمنظمات القائمة راهناً مشاريع تكنولوجية من خلال تمويل البرامج التي تسمح لخبراء الذكاء الاصطناعي مثلاً بالعمل في منظمات غير حكومية أو شركات معينة كي يتمكنوا من تنفيذ المشاريع على أرض الواقع. برأي كاك، لا يرغب الجميع في تطوير مسيرة مهنية في شركة "غوغل"، بل يريد الكثيرون استعمال مهاراتهم لحماية المناخ.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.