جاد حداد

The Father Who Moves Mountains... مغامرة شاقة وسط الجبال

4 دقائق للقراءة

في هذا الفيلم (الأب الذي يحرك الجبال)، وهو ثاني فيلم طويل للمخرج دانيال ساندو، يفتّش ضابط استخبارات سابق مساحات برية شاسعة بحثاً عن ابنه. العمل من إنتاج كريستيان مونجيو.

يحاول رجل تأسيس عائلة ثانية لكنه يضطر للعودة إلى عائلته الأولى، مع جميع مشاعر الذنب والقلق التي ترافق هذه التجربة، حين يختفي ابنه المراهق خلال رحلة جبلية. تعكس هذه المغامرة جزءاً من التقاليد المعاصرة في الدراما السينمائية الرومانية، ويُفترض أن تجذب شريحة واسعة من الجمهور بدل أن تقتصر على محبّي الأعمال الفنية المحض. تتمحور القصة حول رجل في منتصف العمر يواجه كارثة في منطقة جبلية ويغوص في عملية إنقاذ خطيرة. إنه فيلم مناسب لمحبي المغامرات، ويزداد منسوب التشويق فيه بسبب إيقاعه المتسارع (مع أنه يعود ويتباطأ في مراحل لاحقة من الفيلم). بدأ عرض هذا الإنتاج الروماني السويدي المشترك في مهرجان شنغهاي السينمائي.

اتّضحت مهارة ساندو في أول فيلم طويل أخرجه في العام 2017، وكان بعنوانOne Step Behind the Seraphim (خطوة واحدة وراء السيرافيم). استكشف هذا العمل التجارب المريعة التي اختبرها كاهن شاب في مدرسة دينية أرثوذكسية. يصبّ التركيز في الفيلم مجدداً على الصراعات الداخلية التي تعيشها شخصيات دراماتيكية بامتياز. "ميرسيا جيانو" (أدريان تيتياني) هو ضابط استخبارات متقاعد لكنه يتابع إخضاع مرؤوسه المطيع "لورينتو" (فيرجيل أيوني). يظهر "جيانو" في المشاهد الأولى وهو يتسوق ويبحث عن ورق جدران مع زوجته الثانية الشابة والجذابة والحامل "ألينا" (جوديث ستيت). لكن حين يعرف أن "كوزمين"، الابن الذي أنجبه من زوجته الأولى "باولا" (إيلينا بوريا)، اختفى في جبال "بوسيجي" المخيفة خلال فصل الشتاء، يقرر التخلي عن حياته المنزلية الهادئة ويسارع للبحث عنه.

يستعرض الجزء الأول من القصة ما يفعله "ميرسيا" للمشاركة في عملية الإنقاذ التي يقودها محقق محلي اسمه "كريستيان" (غاليريو أندريوتا). يدير هذا الأخير فريقاً من متسلقي الجبال الذين يتمتعون بمهارة عالية ويطبّقون قواعد محددة، لكنهم لا يحققون أي نتيجة. بحلول هذه المرحلة، تكون قد مرّت أربعة أيام على اختفاء "كوزمين" وحبيبته ويبدأ الأمل بإيجادهما على قيد الحياة بالتلاشي.



لا تحصل نقطة تحوّل في الأحداث قبل أن يطلب "ميرسيا" خدمة كبيرة وغير قانونية من جهاز الاستخبارات الرومانية. يصل فريق آخر بقيادة الرائد الشجاع "فيليب" (تودور سموليانو) إلى الموقع وهو يحمل معه خِيَماً، ومعدات إلكترونية، ومروحيات، ورجالاً مدرّبين، وأجهزة أخرى توحي بأن نجاح المهمة بات حتمياً، كما يحصل في أفلام الحركة المألوفة في هوليوود. قد تبدو شاشات الرادار العسكري أقل تطوراً مما نشاهده في أعمال تلفزيونية كثيرة اليوم، لكنها كفيلة بطمأنة "ميرسيا" و"باولا" والمشاهدين أيضاً. حتى أننا قد نبدأ بتخيّل مشهد لقاء الأب وابنه في تلك اللحظات.

لكن يتغير مسار القصة فجأةً في هذه المرحلة، فتتحول من دراما مبنية على عملية إنقاذ إلى رحلة داخلية لاختبار شجاعة وتصميم جميع الشخصيات. قد نشكّك أحياناً بدوافع "ميرسيا" حين نشاهد إلى أي حد هو مستعد لمتابعة البحث حتى إيجاد ابنه. هل يتحرك بدافع الذنب أم الهوس أم الغرور؟ كان الممثل أدريان تيتياني قد جسّد دور أبٍ يعيش صراعاً داخلياً في فيلم Child’s Pose (وضع الطفل) للمخرج كالين بيتر نيتزر وفيلم Graduation (التخرج) من إنتاج مونجيو أيضاً، لكنه يعكس في هذا الدور انفعالات تتخذ طابعاً وحشياً أحياناً، فيتحدى أفكارنا التقليدية حول روابط الأبوة وحدودها الأخلاقية، ويستمر هذا النمط حتى نهاية القصة القوية.

يدير المخرج ساندو طاقماً ممتازاً من الممثلين. تتغير وجهات نظرهم مع مرور الوقت ويحصل كل واحد منهم على لحظة حاسمة لمواجهة الحقائق. هذا ما يحدث مثلاً في مشهد إيلينا بوريا حين تتّهم بكل وحشية حبيبة ابنها بقتله لأنها شجّعته على الذهاب في رحلة إلى الجبال. هي تقول هذه العبارة بكل هدوء أمام والدة الفتاة المصدومة بأسلوبٍ يثير الاشمئزاز. لن تعتذر على موقفها لاحقاً، لكنها تبدو رحيمة على نحو مفاجئ حين تواجه زوجها السابق وتلاحظ تصرفاته الغريبة.

صُوّر الفيلم على مر ثلاثة فصول شتاء لأن طاقم العمل كان ينتظر حصول عواصف وانهيارات ثلجية. صوّر تودور فلاديمير باندورو، الذي كان مدير التصوير في فيلم Graduation أيضاً، بعض اللقطات المدهشة لسلسلة جبال الكاربات، واستغل الثلوج التي تغطّي جميع المساحات لتصوير محيط "ميرسيا" وكأنه تجسيد لرحلته الداخلية الشاقة. أخيراً، يبدو إيقاع الفيلم متقطعاً أحياناً لأن المزاج العام يتغير في مناسبات متكررة.