لا أحد منا مُحَصّن ضد الثقة الزائدة بالنفس في لحظات معينة، فنعتبر ذكاءنا أو شخصيتنا أو قدراتنا أكثر إبهاراً مما هي عليه. صحيح أن المبالغة في تقدير مهاراتنا أو مستوى ذكائنا تضمن بعض المنافع الاجتماعية، منها زيادة كفاءتنا بنظر الآخرين، لكنها تحمل المخاطر في الوقت نفسه. طرح الباحثون حديثاً ثلاثة مواقف تنعكس فيها الثقة الزائدة بالنفس سلباً على الحياة الشخصية والاجتماعية والعلاقات مع الآخرين.
لا تبدأ بقوة مفرطة
عند تعلّم أي مهارة جديدة، نشعر عموماً بأننا لسنا بارعين في البداية. لكن كشفت دراسة جديدة أن مشاعر قلة الكفاءة لا تدوم طويلاً. على مر ست تجارب (شُخّص فيها اضطراب وهمي اسمه "مرض الزومبي" لدى المشاركين، أو خضعوا لاختبارات تقيس معارفهم المالية على أرض الواقع)، رصد الباحثون ما سمّوه "فقاعة المبتدئين". توضح المشرفة الرئيسة على الدراسة، كارمن سانشيز، طالبة دكتوراه في جامعة "كورنيل": "كان موقف المشاركين متوازناً في البداية، وأدركوا أن أداءهم ليس جيداً جداً". لكن حين خاضوا جولات متعددة من التشخيص أو نجحوا في إدارة شؤونهم المالية لفترة، ارتفع منسوب ثقتهم بأنفسهم بما يفوق مستوى أدائهم الفعلي. صحيح أن تلك "الفقاعة" قد تُشجّع على المثابرة، لكنها تترافق أيضاً مع بعض السلبيات. تضيف سانشيز: "ترتبط الثقة الزائدة بميل مفرط إلى أخذ المجازفات". ونظراً إلى سوء النتائج المرتبط بالمجازفات غير المدروسة، في المجال المالي تحديداً، استنتج الباحثون أن قلّة المعرفة تكون خطيرة أحياناً.
احتفظ بثقتك لنفسك
بسبب ارتفاع مستويات الثقة، ولو بشكلٍ غير مبرر، قد يبدو الناس أكثر جاذبية بنظر شركائهم المحتملين. لكن يتوقف مدى تقبّل هذه الثقة الزائدة على طريقة التعبير عنها وفق دراسة جديدة. في سلسلة من التجارب، اكتشف الباحثون أن دلالات الثقة الشفهية ("تفوقتُ على الجميع"!) وغير الشفهية (موقف حازم وصوت قوي) ساهمت في تحسين سمعة المشاركين في المرحلة الأولى. لكن حين اكتشف هؤلاء الأفراد لاحقاً سوء أدائهم، واجه من عبّروا عن غرورهم علناً أحكاماً أقسى من الذين عبّروا عن تكبّرهم بطريقة غير شفهية. يسهل التعرف على التعابير الشفهية للثقة الزائدة بشكل عام، لكن من الأصعب أن نرصد المؤشرات غير الشفهية. تقول إليزابيث تيني، إحدى المشرفات على الدراسة في جامعة "يوتاه": "حين نشعر بأي شكل من الإنكار الصادق، نصبح أكثر ميلاً إلى التغاضي عن ثقة الشخص الزائدة بنفسه".اعتبر الثقة عملة متقلبة
يعني ميلنا إلى مساواة الثقة بالكفاءة أن الثقة الزائدة قد تُمهد لزيادة النفوذ وتحسين المكانة الشخصية. أجرى بيتر بيلمي أبحاثاً عن اللامساواة في جامعة فرجينيا، فتساءل إذا كان العكس صحيحاً، ما يعني أن تنتج المكانة المرموقة ثقة زائدة بالنفس، وفكّر بالعواقب الاجتماعية في هذه الحالة. في أربع تجارب، بدا أفراد مرموقون (وفق تقارير ذاتية ومؤشرات موضوعية) أكثر ميلاً إلى توقع أدائهم في اختبارات الذاكرة والقدرات المعرفية ومهام بسيطة أخرى، مقارنةً بنظرائهم المنتمين إلى طبقة أدنى مستوى. في إحدى التجارب، أنتج سوء التقدير منافع ملموسة: خلال مقابلات مزيفة، بدا وكأن أكثر الأفراد ثقة بأنفسهم يحملون مؤهلات تناسب الوظائف المستهدفة. يضيف بيلمي: "تتكرر مظاهر اللامساواة بين المرشحين على الأرجح لأن المنتمين إلى طبقة عليا يقتنعون بدرجة مبالغ فيها بأنهم أفضل من غيرهم. يظن آخرون أن الثقة مرادفة للذكاء، مع أن هذا الرابط ليس حتمياً".
أهمية أسلوب الكلامصوتك أداة للإقناع!حين تحاول طرح فكرة مقنعة، لا شك في أنك تفكر ملياً بالكلمات التي تختارها. قد تستعمل أيضاً عوامل مؤثرة أخرى، مثل مستوى الصوت وطبقته أو سرعة الكلام. وفق بحث جديد نُشِر في "مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي"، تكون هذه المؤشرات غير الشفهية أساسية لتحقيق النجاح بقدر الكلمات نفسها.
طلب الباحثون من المشاركين في أربع تجارب تسجيل تقييماتهم للمنتجات بطريقة حيادية و"مقنعة"، لكن من دون إعطائهم أي توجيهات دقيقة لتنفيذ المهمة. ثم حلل الباحثون الخصائص غير اللغوية في الرسائل وطلبوا من مشاركين جدد تصنيف درجة إقناعهم.
اعتُبِرت التسجيلات "المقنعة" المبنية على خصائص غير لغوية، على غرار تنويع طبقات الصوت، أكثر إقناعاً من غيرها، وصُنّف المتحدثون في هذه الحالة في خانة أكثر الأفراد ثقة بأنفسهم. تعطي محاولات الإقناع الشفهية أحياناً نتائج عكسية عند رصدها، لكن بقيت الخصائص غير اللغوية فاعلة، حتى لو لاحظ المستمعون نيّة الإقناع لدى المتحدثين. استنتج الباحثون أن الثقة الواضحة تعطي ثقلاً للفكرة المطروحة من دون إضعاف المصداقية.
يشدد ألكس فان زانت من جامعة "روتجرز" على أن الإقناع لا يرتبط حصراً برفع الصوت. لذا يشجّع الجميع على حصر قلقهم من محتوى الكلام والتركيز على طريقة نقل الرسالة، كما ينصح بالتواصل عبر وسائل تسمح للناس بسماع أصواتهم.تفاؤل مفرط عند توقع مستقبل الآخرين
توقعات المستقبل مسألة شائكة دوماً، وقد تترافق محاولات توقّع مستقبلنا الخاص مع مجموعة واسعة من الشكوك والتخمينات والتشاؤم. لكن ذكر بحث جديد نُشِر في "مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي" أن وجهات نظرنا قد تصبح إيجابية بدرجة مفرطة حين نتوقع النتائج التي سيحققها الآخرون، لأننا نركّز على احتمال نجاحهم.
خلال ثماني تجارب، طلب الباحثون من المشاركين تقييم فرص نجاح الآخرين في مجالات التصوير أو الغولف أو المنافسات التسويقية، فاكتشفوا أنهم يميلون إلى المبالغة في تقدير نسبة النجاح المتوقعة لأنهم "يختبرون" احتمال حصول فرضية واحدة حين يتوقعون المستقبل، وتفترض فكرتهم الأولية نجاح الطرف الآخر. استمر هذا الأثر رغم علمهم بقوة المنافسة المرتقبة وتراجع احتمال فوز مرشّحهم المفضل.وحين طلب منهم الباحثون صراحةً أن يفكروا باحتمال خسارة الطرف الآخر في المسابقة، زادت توقعاتهم بالفشل. تقول دانييلا كوبور، إحدى المشرفات على الدراسة في جامعة بوسطن: "يختبر المراقبون تلقائياً الفرضية المرتبطة بتحقق النتيجة التي يفضلونها، ما يدفعهم إلى المبالغة في توقع هذا الاحتمال".
متى تصبح الثقة مؤشراً الى المعرفة؟
تطورت أدمغتنا على الأرجح كي تفترض أن الواثقين بأنفسهم محقون أكثر من غيرهم. يُسمّى هذا المفهوم العقلي "الثقة التوجيهية". في بحث جديد، اختبرت الطبيبة النفسية إيفا كروكوف من جامعة "ليستر" مدى قوة هذا التوجيه، واكتشفت أن الواثقين بأنفسهم كانوا أكثر ميلاً إلى إعطاء جواب صائب، لكن في ظروف محددة حصراً.
عند سؤالها متى تكون الثقة مؤشراً الى معرفة حقيقية ومتى تصبح سبباً للضياع، أجابت: "يُفترض أن تُطبَّق الثقة التوجيهية عند وجود مصالح مشتركة، أي حين يتحرك عدد من الأشخاص لتحقيق هدف واحد. عند المشاركة في لعبة جماعية مثلاً، يريد فريقك كله أن يربح، لذا يجب أن تحذو حذو أكثر عضو واثق بنفسه. لكن يحمل الناس في ظروف أخرى مصالح ملتوية. إذا حاول أحد إقناعك بتصديق معلومة خاطئة، أو أراد مندوب أن يبيعك منتجاً بسعر مبالغ فيه، قد تنقلب الثقة التوجيهية ضدك، فتميل إلى اعتبار ذلك الشخص محقاً لأنه واثق بنفسه، لكن لن يكون الانصياع له إيجابياً".