شربل داغر

"غالبون" في إمارة الخواء

11 تشرين الأول 2021

02 : 00

أستسيغ الكلام عن: الماضي، فيما يسري الكلام عن: "التراث". وما يجعلني أميز بين اللفظين، هو أن الماضي يُبيح ويُتيح درسَ ما جرى في التاريخ البعيد، فيما يسمح الحديث عن التراث بتسلّم وصية قريبة الحدوث، وقابلة للاستثمار.

إلا أن ما يَحصل، ويُكتب، يتعدى هذا الميل العام، إذ تسود عقلية التسليم بـ"ما ورد"، أو السعي وراء "السلف الصالح"...

لو أراد المتابع ملاحظة ما حصل في تاريخ اوروبا، بعد قرونها "المظلمة"، لانتبه إلى أنه قام على نزعة "إنسانية"، قضت بالبناء على الماضي ولكن بعقلية تجديدية، لا لاهوتية جامدة. هذا ما عنى البناء بقدرات العقل وعلومه وسبل تعليله...

لكن ما يحدث، في هذه البلاد، يعني واقعاً اجتزاء الماضي وتحريفه، وتحويله من تاريخ قابل للتعقل إلى سلسلة انتقائية من الهوى المذهبي المتخيّل. او إلى قسمة "التراث" إلى جانبين، بين "ثابت" و"متحوّل"، أشبه بقسمة بين مذهبَين إثر فتنة.

هذا يُظهر كيف أن التديّن الشعبي فعالٌ وناشطٌ في اوساط النخبة، حيث لا يبتعد الواحد منهم عن التماهي مع جماعته المذهبية. ولهذا يتوجب الحديث والتمييز بين الموقع والموقف لدى هذه النخب. فالقول بالثورية او العلمانية وغيرها من تعابير الايديولوجية لا يخفي، في احوال كثيرة، التماهي والتموقع المذهبيين...

هذا التديّن الشعبي يتخذ كذلك شكلاً عنفياً، تسلطياً، ويتوخى التحكّم برقاب الناس قبل العدو. وهو لا يَقبل "بما ورد"، بل يُبدّله ويَقتطعه من سياقه. عدا انه لا يتساءل عن مدى مواءمة هذه الاحاديث المنحولة والمنسوبة والمزعومة مع الزمن الحالي.

أيُعقل أنهم "غالبون"، وهم يأملون (في أفضل احتمالات نزعة الغلبة لديهم) في أن يقلّدوا سياسات القوة السوفياتية: "غزت" الفضاء الخارجي قبل غيرها، فيما كانت مجتمعاتها تفتقر، ولا سيما الشباب فيها، إلى أبسط انواع العيش والوجبة والخدمة؟.

لهذا ترى هذه الجماعات العنيفة تعمل من أجل الغلبة. وهو التحكم عملياً، ولو جرى تدمير العلم والفكر وأمن الجار من جاره...

الغلبة، من دون علوم أو أخلاقيــات البناء والحياة.

"غالبون" في إمارة الخواء!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.