عماد موسى

ثانوية الأشرفية: تهجير الذاكرة

12 تشرين الأول 2021

02 : 00

إنتقال ثانوية الأشرفية الرسمية الأولى للبنين من مكانها في "طلعة" فندق الكسندر، كما قرأت عنه في تحقيق الزميلة نوال نصر، بدا لي على المستوى الشخصي تهجيراً للذاكرة واعتداء سافراً على تاريخ منطقة وشارع وحي وأحياء...وحتى شهداء.

لا أذكر ثانوية الأشرفية من دون جورج دبداب، الذي سقط في بداية حروب لبنان، وكان الشهيد الأول الذي لامسته عيناي، وهو ممدد بثياب الدفاع عن لبنان الذي دافعنا عنه.

من شباك غرفة نومنا الوحيدة، كنت أطلّ كل صباح على بوابة الثانوية السوداء. بيننا شارع لا أكثر. دقيقتان سيراً متعرّجاً بين الأبنية لا أكثر. وبيننا عمر مشترك امتد لسبعة أعوام دراسية. ثلاثة منها سبقت الحرب وأربعة تزامنت مع اندلاع حروب حرقت سلّاف المناهج وخربطت الإنضباط المدرسي.

في بداية السبعينات، كان يُحكى بثلاث ثانويات يُحسب لها حساب: ثانوية مدام نادية عون ( تشابه الأسماء وارد) في الشياح، وثانوية الجديدة وثانوية الأشرفية الأولى، وكانت بالفعل أولى، إذ لم تكن تقبل الطلّاب من دون امتحان دخول. والواسطة لا تمشي مع سالم ناصيف. إنه المدير القصير القامة، الذي ما كان يتوانى عن تمزيق أي بطاقة توصية من نائب لتسجيل تلميذ من دون امتحان، سواء كان اسمه ميشال ساسين أو فريد جبران. وجود الأستاذ ناصيف في الملعب كان مصدر رعب لأكبر شنب. في الحرب تغيرت المعادلة. أصغر شنب كان "يتمرجل" على المدير الذي أمضى الأشهر الأخيرة في الثانوية، ضمن قفص معدني، بعدما تعرّض لاعتداء. بعده جاء أنطوان أبو سمرا. استاذ وقور يعاونه في ضبط الأمور استاذ رحمة... وكم أطلق عليه مشاغبو الصفوف لقب "أستاذ بلا رحمة".

في ثانوية الأشرفية شهدت فصولاً من عراك فتيان الكتائب مع أهل اليسار، وخصوصاً طلاب الحزب التقدمي الإشتراكي. عصي وست طقات وراسورات هي كانت أسلحة العراك في الباحة الخارجية.

وفي ثانوية الأشرفية تعلمت سماع بيتهوفن وتشايكوفسكي في صفّ نسيب خوري، ورسمت أولى لوحاتي تحت إشراف هاروت طوروسيان، وكم أخطأ الأستاذ الطيّب بوصف خربشاتي بـ"ضربات فنان". في الثانوية وضعت أول نقطتين في سلة فريقي من طريق الخطأ تحت نظر المدرب سمير خوري. وأحببت اللغة الفرنسية لأنني أحببت سهام أبو جودة وما زلت بعد "كذا" عقد أحفظ رقم هاتفها يوم كانت عزباء.

في ثانوية الأشرفية كان مصطفى اللبّان، أستاذ الرياضيات الموهوب، يبدّل سراويله وقمصانه بشكل ملفت، إلى أن اكتشفت أنه يملك محل ملابس رجالية في المصيطبة. وهناك عشقتُ الأدب في صف الدكتور كمال يازجي وكان معجباً بـ"كميل وكمال" وفي المفاضلة يأتي كمال أولاً. في السنة الأخيرة إستعرت "كورات" استاذ الفلسفة جيرار جيهامي. صديقاً كان لي ولابن رشد في آن. شريط الحنين طويل. فكيف يقتلون ذكريات 10 آلاف ولد مثلي؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.