جاد حداد

حذارِ من "المواد الكيماوية الأبدية"!

13 تشرين الأول 2021

02 : 00

تشير عناصر البولي فلورو ألكيل (PFAS) إلى فئة مؤلفة من آلاف المواد الكيماوية التي تُعتبر شائعة الاستعمال ومدهشة بمعنى الكلمة. هي تتصدى للماء والدهون والزيوت وتقاوم الحرارة، ما يجعلها مكوّناً مثالياً في منتجات مثل المقالي غير اللاصقة، وأغلفة المواد الغذائية، ومعدات التخييم، ومستحضرات التجميل، والمواد الطاردة للبقع على السجاد، ومواد التنجيد.

استُعمِلت هذه المركّبات للمرة الأولى في المنتجات الاستهلاكية والصناعية خلال فترة الخمسينات، ثم توسّعت استعمالاتها على مر السنين اللاحقة. اليوم، تنتشر هذه المواد في كل مكان، إذ يمكن إيجادها في جميع المنتجات، بدءاً من ظلال العيون وصولاً إلى الطلاء المعدني.

لكن يظن العلماء الذين يدرسون صحة البشر أن عناصر البولي فلورو ألكيل تحمل جانباً قاتماً.

تقول إيلسي ساندرلاند، أستاذة في العلوم البيئية والهندسة في كلية "تي إتش تشان" للصحة العامة وكلية "هارفارد بولسون" للهندسة: "لا أستطيع التكلم عن أي منفعة لهذه المركّبات من الناحية الصحية. بل إنها كابوس حقيقي، فهي ترتبط بمجموعة كاملة من التداعيات الصحية المريعة".

لكنّ أكبر المشاكل التي تطرحها عناصر البولي فلورو ألكيل هي التي تفسّر منافعها. بعبارة أخرى، لا تتفكك هذه المواد مطلقاً، ولهذا السبب تُسمّى "المواد الكيماوية الأبدية".

قد تبدو هذه الميزة ممتازة إلى أن يدخل العنصر الكيماوي إلى جسم الإنسان أو يتراكم في البيئة.

التداعيات الصحية

تطرح جميع المركّبات الكيماوية مخاطر صحية معينة، لكن يبدو أن عناصر البولي فلورو ألكيل خطيرة على نحو غير مألوف نظراً إلى نطاق تأثيرها على الجسم. لاحظ الخبراء آثاراً صحية محددة بسببها في جميع أنظمة الجسم الأساسية.

قد تُعطّل عناصر البولي فلورو ألكيل الأيض في الجسم مثلاً، ما يؤدي إلى ظهور مشاكل صحية مثل السكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والبدانة. حتى أن هذه المركّبات قد تعيق القدرة على فقدان الوزن أو إرضاع الأطفال. كذلك، برز رابط بين التعرّض لهذه العناصر وأمراض الغدة الدرقية، وتضرر الكبد والكلى، وحتى بعض أنواع السرطان. ويبدو أنها تسيء إلى جهاز المناعة أيضاً، وقد تؤثر على نشوء أمراض المناعة الذاتية والربو ومشاكل الحساسية. قد تصبح هذه السمّية المناعية خطيرة لدى الأولاد أكثر من الراشدين لأن جهاز المناعة يمرّ بمراحل مهمة من البرمجة خلال الطفولة. قد يؤدي قمع جهاز المناعة إلى تثبيط استجابة الأولاد تجاه اللقاحات الاعتيادية أو يجعلهم أكثر عرضة للفيروسات.

ما حقيقة المخاطر المطروحة؟

تتابع الشركات استعمال عناصر البولي فلورو ألكيل لأنها فعالة ومربحة، مع أن عدداً من الدعاوى القضائية كشف أدلة مفادها أن جزءاً من تلك الشركات يعرف منذ عقود (قبل أن يبدأ الباحثون الأكاديميون تحليلاتهم) أن هذه المركّبات تطرح مخاطر على الصحة.

يتعرض المقيمون في المجتمعات التي تكثر فيها مصادر البولي فلورو ألكيل لهذه المركّبات عبر شرب مياه ملوثة لها. تشمل أبرز المصادر المطارات، والقواعد العسكرية، ومواقع التصنيع الكيماوي، والقطاعات التي تستخدم تلك المواد في عمليات الإنتاج.

توضح ساندرلاند: "قد تنتشر عناصر البولي فلورو ألكيل في البيئة المحيطة داخل المياه أو الأراضي، أو ربما تصبح متطايرة وتطلقها المداخن نحو الغلاف الجوي ثم تنزل من هناك مجدداً عبر مياه الأمطار نحو المناطق المحيطة وتتوزع فوق مساحات واسعة".

تذكر "مجموعة العمل البيئية" غير الربحية في تقرير من العام 2020 أن عدد المعرّضين لعناصر البولي فلورو ألكيل عبر شرب المياه، بمعدل يفوق 10 أجزاء في التريليون، يتراوح بين 18 و80 مليون شخص. يساوي هذا المعدل أقصى مستويات الملوثات في دول كثيرة. وفي دراسة أخرى، رصد علماء من المجموعة نفسها هذه العناصر في مياه الشرب داخل 43 عينة من أصل 44 مأخوذة من 31 ولاية أميركية بالإضافة إلى العاصمة واشنطن. تبيّن أن مستويات البولي فلورو ألكيل تتراوح بين جزء واحد و186 جزءاً في التريليون في عدد من المدن الكبرى، بما في ذلك ميامي، وفيلادلفيا، ونيو أورلينز، وبوسطن، وضواحي نيويورك في نيوجيرسي. اقترح باحثون من جامعة "هارفارد" حصر عتبة التعرّض القصوى بمعدل جزء واحد في التريليون، انطلاقاً من المستويات التي تُسمم مناعة الأطفال.

حين تدخل هذه المواد الكيماوية إلى نظام المياه، سرعان ما تشقّ طريقها نحو المحيط حيث تلوّث الحياة البحرية، بما في ذلك الأسماك.

بولي فلورو ألكيل في المأكولات؟

وفق "الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية"، اكتشف المراقبون الأوروبيون حالات تلوّث بعناصر البولي فلورو ألكيل في أغذية متعددة، منها الأسماك والفاكهة والبيض. هل تُعتبر جميع الإمدادات الغذائية معرّضة للخطر إذاً؟

أعلنت "إدارة الغذاء والدواء" الأميركية أن مخاطر التلوث لا تزال ضئيلة في الولايات المتحدة بناءً على الاختبارات الحاصلة حتى الآن. لكن رصدت هذه الهيئة الصحية عناصر البولي فلورو ألكيل في بعض عينات الأسماك التي اختبرتها، بما في ذلك أسماك القد والبلطي، لكنها أكدت على غياب الأدلة التي تبرّر دعوة الناس إلى تجنب أنواع معينة من المأكولات.

مع ذلك، تقول إيلسي ساندرلاند إن تقنيات الاختبارات الراهنة قد تكون شائبة على بعض المستويات. كان عدد المنتجات التي اختبرتها "إدارة الغذاء والدواء" صغيراً، ولم تتضح طريقة اختيار تلك المنتجات أو مصدرها. لذا تأمل ساندرلاند وخبراء آخرون في زيادة الاختبارات وإلحاقها بتقييم لمستوى التعرض المنهجي لتلك العناصر وسط الأميركيين لتحديد حجم المخاطر الحقيقية.




لا تراقب الحكومة الفدرالية الأميركية مستويات البولي فلورو ألكيل في مياه الشرب راهناً، مع أنها اتخذت بعض الخطوات في هذا الاتجاه حديثاً. يسارع المسؤولون في الحكومة إلى تحديد عتبة معيّنة كانت الإدارة الأميركية قد غيّرتها على المستوى الفدرالي.

لكن في ظل غياب أي قواعد فدرالية مرتبطة بهذه المواد، أخذت الولايات الفردية المبادرة لكبح استعمالها. في تموز 2021، تبنّت ولاية ماين خطة طوارئ لحظر جميع أنواع البولي فلورو ألكيل من المنتجات التي تبيعها الولاية بحلول العام 2030 في ظل استثناءات محدودة. في المقابل، فرضت ولايات أخرى قيوداً أصغر حجماً. في تشرين الأول 2020 مثلاً، حددت ولاية ماساتشوستس الكمية التي يمكن إيجادها في مياه الشرب العامة من ست مواد مختلفة من فئة البولي فلورو ألكيل.

لحماية الناس من هذه المخاطر الصحية، يجب أن تتدخل الجهات التنظيمية الرسمية. لكن لا تزال هذه التدابير الرامية إلى حماية الناس من مخاطر البولي فلورو ألكيل بعيدة المنال. يتعلق جزء من المشكلة بتعدد هذه المواد الكيماوية، ما يزيد صعوبة مواكبتها.

حين تراقب أي ولاية طرق استعمال مادة كيماوية مثيرة للجدل اليوم، تعمد الشركات إلى استعمال نوع مختلف من الفئة نفسها، ما يعني أنه قد يطرح مخاطر صحية مشابهة لكنها لا تكون معروفة بعد. كذلك، يجد العلماء صعوبة متزايدة في رصد المركّبات الجديدة في المنتجات لأنهم لا يعرفون ما يبحثون عنه نظراً إلى استبدال العناصر المستعملة باستمرار.

تقول ساندرلاند: "الوضع أشبه بلعبة الغميضة. لكن يجب أن يتعلق الهدف الأساسي بمراقبة تلك المواد الكيماوية باعتبارها فئة واحدة".


خطوات لتقليص المخاطر


فيما تتابع الجهات التنظيمية حل المشاكل المرتبطة بعناصر البولي فلورو ألكيل، يمكنك أن تحمي نفسك منها عبر تغيير جزء من أسلوب حياتك. حاول أن تُخفف تعرّضك لهذه المواد عبر الخطوات التالية:

قم بتصفية مياه الشرب: ربما لا يستطيع جميع الناس شراء فلتر متطور للمياه، لكن تسمح أبسط الفلاتر وأقلها كلفة بالتخلص من مواد البولي فلورو ألكيل في مياه الشرب.

تقبّل بعض الفوضى: بما أن عناصر البولي فلورو ألكيل موجودة في السجاد وأدوات حماية المفروشات، من الأفضل أن تتجنب هذه المنتجات. قد تزيد البقع على كنبتك أو سجادتك، لكنك ستستفيد صحياً على المدى الطويل.

امسح الغبار ونظّف المساحات بالمكنسة الكهربائية بانتظام: إذا كنت تملك منتجات تحتوي على البولي فلورو ألكيل في منزلك، مثل الأثاث والأقمشة والسجاد، قد تتعرض لهذه المواد حين تتنشق الغبار المتناثر من تلك الأغراض. لذا يسمح التنظيف ومسح الغبار بتخفيف الملوثات التي تتنشقها.

ابحث عن منتجات أكثر أماناً: اليوم، تحرص شركات تصنيع كثيرة على تسويق منتجات خالية من البولي فلورو ألكيل في إعلاناتها لتلبية الحاجات الاستهلاكية المتزايدة. حين ترغب في شراء المنتجات التي تحتوي في معظمها على تلك المواد الشائكة، مثل معدات التخييم أو منتجات التنظيف والعناية الشخصية، ابحث عن الأنواع الخالية من البولي فلورو ألكيل.

حاول أن تحدّ من عدد المنتجات المستعملة، لا سيما مستحضرات التجميل، لتخفيف نسبة تعرّضك للملوثات: اختر أهم المنتجات التي تحتاج إليها وأوقف استعمال الأنواع التي تستطيع الاستغناء عنها.

إختر المنتجات الطبيعية مع أقل تغليف ممكن: يحمل مستهلكو أكبر كمية من المأكولات السريعة والمُصنّعة أعلى مستويات البولي فلورو ألكيل في أجسامهم. غالباً ما تحتوي الأغلفة على هذه المواد. لذا قد تستفيد من اختيار منتجات غير مُغلّفة أو أقل تصنيعاً. استبدل فشار المايكروويف مثلاً بحبوب الذرة الطبيعية وسخّنها في قدر على الموقد.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.