مي الصايغ

ترابط المياه والطاقة والغذاء والبيئة للأمن الإنساني في عصر ما بعد "كورونا"

INWRDAM: نوافذ أمل لمستقبل آمن

13 تشرين الأول 2021

21 : 29

لن تكون منطقة الشرق الاوسط وشمال إفريقيا كما كانت عليه قبل جائحة كورونا، في ظلّ التداعيات الصحية والإجتماعية والإقتصادية السلبية لكوفيد-19. فهل يمكن لمقاربة ترابط المياه والطاقة والغذاء والبيئة، أن تشكّل جسر العبور نحو الأمن الإنساني بمفهومه الشامل؟


على وقع توقعات لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا "الإسكوا" بأنّ التباطؤ الإقتصادي نتيجة كورونا سيدفع 8.3 ملايين شخص إضافي في هذه المنطقة نحو خط الفقر، يرى الأمير الحسن بن طلال، رئيس المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا أنّ مشاكل منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا "قابلة للحل، وهي تحتاج الى السياسات أكثر من السياسة".

ويقول الحسن خلال رعايته أعمال المنتدى الدولي الـ12 للشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه (INWRDAM)، تحت عنوان "ترابط المياه والطاقة والغذاء والبيئة للأمن الإنساني لعصر ما بعد الجائحة" في عمّان: "إنّ مكتسبات عقود من التنمية تبددت بسبب تداعيات كورونا، ولا سيما في مجال مكافحة الفقر وفقدان فرص العمل"، داعياً الى ضرورة إعادة النظر بأهداف التنمية المستدامة وتطبيقها بشكل متناغم بخلاف ما هو واقع الحال اليوم، حيث يتمّ العمل على كل هدف من الأهداف الـ17 بمعزل عن الآخر".

الفرص متوفّرة

فالنهج الشمولي والفهم المشترك للأولويات والحوكمة الرشيدة واستخدام التكنولوجيا والإعتماد على البحث العلمي يبقى في نظر الحسن ضرورياً للتعامل مع القضايا المحورية الأساسية، مثل "شح المياه، والتغيّر المناخي، ومشاكل الطاقة، والإقتصاد والنمو السكاني ونقص الغذاء".

ورغم سوداوية المشهد، يشير الحسن إلى أنّ هناك الكثير من الفرص ونوافذ الأمل إذا ما عملت دول المنطقة معاً، لكن ذلك ليس كافياً ما لم تتحقق الشراكة بين المواطن والقطاعين الخاص والعام، بما يضمن سبل العيش الكريم للبشرية.

هذه الفرص يمكن للعلوم والأبحاث والتقدم التكنولوجي خلقها، مثلما ظهر بشكل جلي خلال جائحة كورونا، وقد شكّلت القاعدة للمساعدة في مواجهة هذه الجائحة، وفق المنسق العام للجنة الدائمة لمنظمة التعاون الإسلامي حول التعاون العلمي والتكنولوجي البروفسور محمد شودري، على رغم اقراره بأنّ الربط بين المياه والطاقة والغذاء والبيئة يبقى عملية معقدة وديناميكية.

ويوماً بعد يوم، يتضح أنّ "الإجراءات لمواجهة الكوارث المتخذة من قبل الحكومات ليست كافية وحدها، وبأنّ التعاون الإقليمي والدولي بين الحكومات ومعاهد البحث والمنظمات الدولية مطلوب"، حسب السفير الياباني لدى الأردن، شيمازاكي، آملاً توسيع تبادل الخبرات والمعرفة، ولا سيما مع جامعة كيوتو اليابانية المشاركة في تنظيم هذا المؤتمر.

تجارب ناجحة

في الشق العملي، تخلل المؤتمر عرض لتجارب دول عربية وإسلامية نجحت في تحقيق الترابط بين المياه والطاقة والبيئة.

البداية مع INWRDAM ممثلة بمشروع الصحراء الذكية، في مرتفعات الأردن في محافظة المفرق وشمال شرق البادية، والذي يهدف الى تحسين أداء المزارع القائمة عبر استخدام التقنيات الحديثة لجعلها أكثر إنتاجية وكفاءة في استخدام المياه، تحسين ظروف عمل المزارعين والعمال، والمساهمة في التمكين الاجتماعي والاقتصادي للاجئين السوريين والأردنيين المستضعفين في القطاع الزراعي، وبالتالي تعزيز قدرة المجتمع على الصمود من خلال تحفيز النمو الإقتصادي المحلي.

إنّ "ما يميّز هذا المشروع أنّه يتحدد بناء على حاجات السوق. نحن نطلب الى المزارع ان يزرع ما يحتاجه السوق، والمزارع لا يحتاج ان يقلق على تسويق محصوله". واللافت في هذا المشروع المُمول من الوكالة الفرنسية للتنمية، أنّه يكرّس مفهوم أنّ تحقيق التنمية المستدامة لا يمكن من دون مساعدة القطاع الخاص، والقطاع الخاص مستعد للشراكة عندما يدرك المنافع المرتقبة، ويطمح بتسلّم المشروع وضمان استدامته.

التجربة التونسية

أمّا في تونس، فالمجتمع المدني شريك في تحقيق الترابط المنشود، ووعي المواطن يبدأ من الفلاح الى آخر سلم في الإدارة. ويقول البروفسور حمادي حبيب من وزارة الزراعة والموارد المائية ومصايد الأسماك: "إنّ الفلاحة تستخدم 80% من الموارد المائية في تونس. الفلاح شريك أساسي في مشروع الري قطرة قطرة (الري بالتنقيط)، فإذا ساهم الفلاح بنسبة 1% من المشروع يمكن ان يدافع عنه. فضلاً عن وجود تواصل بين البحث العلمي والادارة على مشاريع التخرج، إذ يتمّ ربط البحث العلمي بالمشاكل الحقيقية الموجودة في الإدارة".

وينوّه حبيب بنجاح التجربة التونسية في التكيّف مع تغيّر المناخ وتحوّل بعض المزارعين إلى تفضيل أنواع على اخرى مثل الزيتون واللوز، التي لا تستهلك الكثير من الماء، مُشدداً على ضرورة وجود الخرائط الزراعية التي ترتكز على توافر بيانات دقيقة، والتي تسهّل عملية اتخاذ القرار والتكهن بأوقات حدوث الفيضانات.

تجربة يرى المدير التنفيذي لـ INWRDAM الدكتور مروان الرقاد انّه يمكن الاستلهام منها من خلال الربط مع المؤسسات الأكاديمية لاستخلاص المعرفة من هذه البيانات، آملاً أن تكون رسائل الماجستير والدكتوراه نابعة من الحاجة التشاركية ضمن منطقة حوض المتوسط ومنظمة التعاون الإسلامي.

ويلفت إلى أنّ الرقمنة المناخية في بعض المناطق الزراعية في الأردن تنعكس إيجاباً على المزارع، مع ضرورة الحرص على تحويل هذه البيانات الى معلومات سهلة ومفهومة للمزارعين وصنّاع القرار.

ولكن يبقى تضارب البيانات من عدة مصادر ضمن الوزارات نفسها العقبة الكبرى في هذه المنطقة، وفق ما يؤكّد معتز عبادي، مدير قسم المياه في "الإتحاد من أجل المتوسّط"، مُذكّراً بجهود الإتحاد في قطاع المياه، والسعي لإنشاء مراكز للمعرفة، لتوضيح كيفية تأثير هذه المعلومات على كل قطاع، ووضع هذه المعلومات والأوراق العلمية في يد صنّاع القرار والرأي العام.

إستراتيجية المياه في السعودية

بالإنتقال إلى ضفة الخليج، تعمل المملكة العربية السعودية على تحقيق ترابط المياه والطاقة والغذاء والبيئة من خلال استراتيجيتها لقطاع مياه مستدام يُنمي الموارد المائية، ويصون البيئة، ويوفر إمداداً آمناً، وكفاءة تسهم في التنمية الإقتصادية والإجتماعية. وقد نجحت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بإنشاء محطة تحلية هجينة تعمل بالطاقة الشمسية في مدينة رابغ، حسبما يؤكّد المهندس فاهد محمد السبيعي.

ويلفت إلى "أنّ مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية أنشأت أيضاً محطة الخفجي كأكبر محطة تحلية مياه في العالم بالطاقة الشمسية بقدرة 10 ميغاوات، وبإنتاجية تصل الى 60 الف (م³ /يوم) وباستخدام 32 ألف لوح شمسي مُصنعة"، في هذه المدينة الجامعية.

والجدير بالذكر أنّ هذا المؤتمر لا يقتصر على توصيف الواقع، بل يشكّل منصة لتوفير خطة عمل وشراكة بين الدول الأعضاء في الشبكة لمدة 5 سنوات مقبلة لمواجهة التحديات لمستقبل الأمن المائي، كما يؤكّد الأمين العام للمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، ورئيس مجلس إدارة INWRDAM الدكتور ضياء الدين عرفة.

في المحصلة، إنّ عامي 2020 و2021 سجّلا أعلى رقم في التاريخ البشري من حيث شدة وتطرّف الأحوال الجوية، بسبب الفشل العالمي في معالجة مشاكل التغيّر المناخي، وفق الرقاد، مُحذراً من الكلفة الباهظة لعدم اتخاذ إجراءات فعّالة لمواجهة ذلك، وداعياً الى تكثيف الجهود التشاركية ضمن الدول والإقليم لضمان إيجاد فرص عمل وتمكين المجتمعات.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.