تعرض شبكة "نتفلكس" فيلماً إيطالياً مؤثراً جديداً بعنوان My Brother, My Sister (أخي، أختي)، وهو من إخراج روبيرتو كابوتشي وكتابة باولا ماميني. تتمحور القصة حول العلاقة التي تجمع أفراد عائلة مفككة تتألف من "نيكولا" (أليساندرو بريزيوسي) و"تيسلا" (كلاوديا باندوفيلي). حين تجبرهما وصية والدهما على العيش معاً، إلى جانب أولاد "تيسلا"، يحاول الأخ وأخته تجاوز خلافاتهما لإنشاء عائلة حقيقية.
تحمل القصة جوانب درامية نموذجية وتتمحور حول الشفاء من الماضي. يتّسم العمل أيضاً بتمثيل مقنع وحبكة متوقعة، وهو يستكشف التطور النفسي لكل شخصية، لكنه يخلو في المقابل من أي تحولات مفاجئة. على مر ساعة و50 دقيقة، تصبح المماطلة سيّدة الموقف في مرحلة معينة قبل أن تتسارع الأحداث مجدداً، بدءاً من منتصف الفيلم وحتى نهايته. لكن يسلّط العمل الضوء على تطور الشخصيات والقصة في مطلق الأحوال. من الواضح أن كابوتشي يعطي اهتماماً زائداً للإخراج للتعويض عن الأحداث التي تصبح باهتة أحياناً. يدخل هذا الفيلم في خانة الأعمال التي تهدف إلى جذب الناس عبر تحريك مشاعرهم أكثر من إقناعهم بالقصة بحد ذاتها.
يقدم بريزيوسي وباندوفيلي أداءً تمثيلياً لامعاً وصادقاً في جميع مشاهدهما، لكنّ أكثر ما يلفت النظر في هذا الفيلم هو دور "سيباستيانو" (فرانشيسكو كافالو)، ابن "تيسلا" المصاب بانفصام الشخصية. يقدم كافالو شخصيته بإتقان تام ويحافظ في الوقت نفسه على تناغم عالي المستوى مع بقية الممثلين. سرعان ما تصبح شخصيته عنصراً محورياً من القصة وقوة دافعة لتحريك الأحداث. لكن تكون شخصية ابنة "تيسلا"، "كارولينا" (لودوفيكا مارتينو)، معاكسة بالكامل، فهي باهتة بدرجة معينة مقارنةً بالأدوار الأخرى. كانت شخصيتها تتحمّل عمقاً إضافياً، لكنّ شغفها يضفي طابعاً خاصاً على القصة.

يستحق الفيلم الإشادة لأنه يحاول زيادة الوعي حول انفصام الشخصية تزامناً مع الحفاظ على أحداث واقعية. هو يعطي لمحة عن الواقع الذي يعيشه الناجون من هذا المرض النفسي، فيسجنون أنفسهم داخل واقعهم الخاص، ويشعرون بأنهم متروكون ويختبئون وراء الأبواب، ويتعامل معهم الآخرون وكأنهم مرضى بدل التواصل معهم كأشخاص عاديين. لكن من اللافت أن يحاول الفيلم أيضاً توضيح الوضع بأكثر الطرق واقعية، فيشدد على أن "سيباستيانو" ليس الشخص الوحيد الذي يواجه المشاكل. وحين نغوص في القصة مع تقدّم الأحداث، سندرك تدريجاً الأسباب التي تفسّر التطورات السابقة. تطغى أجواء قاتمة وألوان باردة على أسلوب التصوير لتجسيد مشاعر العذاب والضعف التي تنتاب مختلف الشخصيات. لكن تصبح الألوان أكثر سطوعاً مع تقدم الأحداث، فتُعرَض مشاهد متنوعة، مثل الشاطئ والأمواج وأشعة الشمس، لتجسيد معنى الحرية والقبول.
كذلك، يستعمل الفيلم موسيقى كلاسيكية في معظم اللقطات للتعبير عن موضوعه العميق وتعقيدات القصة لأن هذه الموسيقى غالباً ما ترتبط بالعمق والشفاء. يتماشى أسلوب استعمال الزمان والمكان انطلاقاً من تلك الموسيقى مع جذور الدراما المعروضة، فتزيد قوة القصة. على صعيد آخر، لا بد من الإشادة بالتفاصيل التي تحملها كل شخصية، بدءاً من أسلوب الملابس والعادات الشخصية وطريقة ترتيب الغرف، وصولاً إلى التفاصيل الصغيرة التي تؤثر بدرجة كبيرة على طريقة تجسيد الشخصيات.
أخيراً، يمكن وضع هذا الفيلم في خانة الدراما العائلية غير المثالية، وتحمل القصة في مطلق الأحوال رسائل مهمة ومؤثرة. يشمل الفيلم أيضاً حوارات عميقة وجدّية تصبّ تركيزها على تعقيدات العواطف البشرية والرحلة التي يضطر الناس لخوضها للشعور بالقبول. إنه خيار مناسب إذاً لتمضية فترة مسائية دافئة في يوم العطلة!