في الحياة الواقعية، يقول المتزوجون دوماً إنهم يريدون قتل بعضهم البعض ولا يعنون كلامهم في معظم الأوقات. لكنّ الوضع مختلف في الدراما السوداء The Trip (الرحلة) للمخرج تومي ويركولا. يشمل الفيلم خليطاً ترفيهياً من التشويق والرعب والكوميديا، ويعرض رحلة سريعة وممتعة رغم مشاهد العنف فيه. يمكن اعتباره إذاً من أبرز الأعمال الترفيهية لهذه السنة نظراً إلى أفكاره المبتكرة والجريئة في آن، وأداء الممثلين اللامعين، والسيناريو الذكي، والإيقاع الحيوي.
يبدأ الفيلم في موقع تصوير مسلسل طويل، حيث يتشاجر ثنائي غاضب بسبب حادثة خيانة مشينة. تقول ممثلة شقراء وهي تبكي "هذا صحيح، أنا حامل بطفل ابن شقيقك الميت"، ثم يوقف المخرج النعسان التصوير. إنه "لارس" (أكسيل هيني)، المخرج التلفزيوني المستاء الذي لم ينجح في تطوير مسيرته المهنية بالطريقة التي أرادها. ثم يقرر الذهاب إلى كوخ عائلي مع زوجته "ليزا" (نومي راباس) حيث يخططان لقطع مسافات طويلة وسط الطبيعة. يحرص "لارس" على ذكر هذا التفصيل بصوتٍ مرتفع أمام المحيطين به، بما في ذلك الممثلة الشقراء ووالده العابس. لكن حين يمرّ بمتجر المعدات لشراء مطرقة ومنشار وحبل، يتّضح للجميع أنه يحمل خططاً أخرى.
يشير أداء راباس لشخصية "ليزا" إلى "نجمة مدهشة لم تعمل منذ سنوات"، وهي تثبت موهبتها منذ مشاهدها الدرامية الأولى. هي تتنقل في أحد المشاهد بلباس زهري، وتضع نظارات شمسية فيما تتأرجح أقراط أذنها الدائرية، وتمضغ العلكة وتفقعها، ثم تعطي "لارس" حقيبتها وكأنه مساعدها. يغلق "لارس" صندوق السيارة بعد إلقاء نظرة أخيرة على الأدوات المريعة التي خبأها ويظهر عنوان الفيلم على الشاشة بأحرف كبيرة. فليستعد المشاهدون لرحلة من نوع آخر!
عند وصول الزوجين إلى الكوخ، يبدأ الثنائي بالتشاجر حول أبسط الأمور. هما يتجادلان مثلاً بسبب حرارة الموقد. وحين يرفض "لارس" لمس شرائح اللحم النيئة التي يُحضّرها، تمسك بها "ليزا" بيديها. تبدو المناوشات بينهما طبيعية وعفوية، على عكس مشاهد الأزواج في معظم الأعمال المشابهة. بعد تناول العشاء وسط أجواء متوترة، يتجه "لارس" نحو القبو لوضع المعدات التي جلبها. ثم يتسلل وراء "ليزا" وهو يحمل المطرقة بيده. تبدو هذه الأحداث مبكرة لدرجة أن نشتبه بأنها مجرّد خدعة. هل يخطط مثلاً للقيام ببعض أعمال النجارة؟ لكن حين يندفع نحو "ليزا"، ستستدير زوجته وتصعقه بصاعق كهربائي في عنقه!

حين يستيقظ "لارس"، سيجد نفسه مكبلاً فيما تحمل "ليزا" المطرقة بيدها هذه المرة. وعندما يعترف بأنه كان يخطط لقتلها للاستفادة من التأمين على حياتها، ستعترف هي أيضاً بأنها كانت تنوي تنفيذ خطة مماثلة. ثم تتجه الكاميرا نحو اليسار، وتظهر عبارة "قبل يوم" باللون الأصفر وبأحرف كبيرة. إنها أول لقطة سريعة من الماضي، وستكشف هذه اللقطات المتلاحقة معلومات تقلب الأحداث رأساً على عقب وبأفظع الطرق الممكنة. إنها حيلة ذكية وغير بسيطة على الإطلاق. حين تُعرّفنا هذه التقنية نفسها على ثلاثة سجناء هاربين يعانون من أمراض نفسية، تكون الأحداث الممتعة لا تزال في بدايتها.
يقدّم ويركولا الشخصيات والتحولات في الأحداث بطريقة غريبة ومرحة، بما يشبه النوعية التي يستعملها المخرج ويس أندرسون، مع أن الأسلوب العام يبدو أقرب إلى مارتن ماكدونا ويحمل نفحة من مقاربة كوينتن تارانتينو. وعلى غرار أفضل اللقطات التي يقدّمها ماكدونا، تصل مشاهد العنف إلى مستويات فائقة لكن من دون أن نشعر في أي لحظة بأنها مفرطة أو غير مناسبة. في المقابل، تبدو الجوانب الكوميدية مبالغاً فيها، منها صوت الأدمغة التي تتساقط على الأرض أو مشهد يدٍ يبترها قارب بمحرك كهربائي. في ظل تلاحق المفاجآت، تزداد الحبكة غرابة وتكشف بذلك عن أكثر الجوانب فكاهية في الفيلم. عندما يخبر "لارس" والده الذي ينزف في أرجوحته المفضّلة بأنه فجّر سروال رجل ببندقية صيد، يقول له والده إنه فخور به.
يقدم الممثلان النروجيان المخضرمان أكسيل هيني ونومي راباس أداءً متناغماً جداً. صبغت راباس شعرها باللون الأشقر الصارخ، ما يساعدها على تقديم لحظات فكاهية بدور الممثلة اليائسة رغم مسيرتها الناجحة. في الوقت نفسه، يقدم هيني شخصية ضائعة، فيبدو شخصاً أحمق أحياناً ويبدي استعداده لمحاربة الأسود إذا اضطر لذلك. يحمل العمل المستوى المناسب من التعاطف والجنون، ويجسّد بطلا القصة المشاعر الكامنة وراء الخلاف الدموي بين الزوجين بكل صدق، وهذا ما يعطي الفيلم طابعاً بشرياً واقعياً. لا يجازف العمل باتخاذ طابع عاطفي مفرط حين تمزّق جزازة عشب رجلاً متقدماً في السن، لكن من الإيجابي أن نشاهد بصيص نور في نهاية هذا النفق الدموي والمتقلّب.