ألان سركيس

الأستاذ قزحيّا نهرا... تاريخ من التدريس لا تمحوه صفحة الغياب

3 دقائق للقراءة
تختلط المشاعر الوجدانيّة بزمن الطفولة خصوصاً أنّ هذه المرحلة تكون أساسيّة في تكوين الشخصيّة وما يرافقها من تأثّر يستمرّ مدى الحياة. وقد يكون الرحيل عن هذه الدنيا خلاصاً من "الجهنم الحقيقيّ"، لكن مهما كان الإنسان مؤمناً فإنّ مثل هكذا حدث جلل يترك حزناً لا تعبّر عنه لا كلمات ولا مقالات ولا أيّ أمر آخر.

لقد رحل الأستاذ قزحيا نهرا، وهو المربّي في مدرسة ديربلا والذي تخطّى حدود مهنته ليمارس دور الوصي على تلاميذه، مُخرّجاً نخبة باتت قيادية في المجتمع.

عام 1996، شاء الظرف أن نسكن في بلدة ديربلا البترونية التي كانت تمثّل خطّ تماس زمن الحرب، لم يكن مرّ وقت طويل على إنتهاء المعارك، لكننا الجيل الذي وُلد بعد الحرب والذي كان بحاجة إلى عناية لأنه ورث كل موبقاتها وإنكساراتها وهزائمها.

هي المرحلة الفاصلة بين الدراسة والإنطلاقة، وشاءت الصدف أن تضع في دربنا الاستاذ قزحيا الذي يمثّل الاستاذ القديم الذي يرى في عدم التعلّم جريمة، وله طريقته الخاصة في إقناع التلاميذ بالعلم، في زمن بات فيه قسم من القيّمين على هذه المهنة أو الرسالة أشبه بتجّار.

لماذا نتذكّر الاستاذ قزحيا بحزن شديد؟ ببساطة هل يوجد أستاذ في زمننا هذا يلاحق التلاميذ بعد إنتهاء الدوام، وعندما يشاهدهم لا يدرسون أو يلعبون في الضيعة يأخذهم إلى منزل أهلهم ويجلس معهم ليدرّسهم؟ كلا، فالأستاذ الراحل كان يتابع التلاميذ في المنزل إذا لم يدرسوا وذلك بلا مقابل مادي.

هل يوجد أستاذ من الرعيل القديم كان متقدماً منذ 25 سنة وأكثر ويعلم أن الدراسة ليست فقط في حفظ الكتاب بل في العمل على الراحة النفسية للتلميذ والتطبيق الفعلي على الأرض؟ الأستاذ قزحيا كان منذ أكثر من 25 عاماً يُموّه عن التلاميذ، ويأخذهم في رحلات ضمن حقول ديربلا ليعرّفهم على المنازل القديمة مثلاً ويشرح لهم كيف كان يعيش الأجداد، فهو كان العارف بأن التاريخ مرتبط بالجغرافيا، ويجب على الجيل الصاعد أن يعرف تاريخه جيداً مع أنه لم يكن أستاذ تاريخ.

كان الاستاذ قزحيا يُعامل تلاميذه بمحبة فائقة من دون أن يكون متراخياً، فهو لم يكن من الأساتذة الذين يستعملون العنف، بل كان يستعمل "قضيب" الرمان عندما تدعو الحاجة الفائقة، فعلى سبيل المثال، عندما كنّا "نتشيطن" خارج دوام الدراسة ونحاول تسلّق جدران المدرسة كشفنا ذات مرّة ونادانا وأمر أحدنا بإحضار قضيب رمّان وقال لنا: "إفتحوا أيديكم، فأيهما أفضل" تاكلوا قضيبين رمّان مني وتتعلموا وما تعيدوها أو تكفّوا شيطنة وتوقعوا وتروحوا عند الحكيم يحطلكن إبرة وتتكسّروا وتنوجعوا؟".

مع رحيل الاستاذ قزحيا تُختتم صفحة مشرقة من تاريخ التدريس في لبنان، فهو الذي علّم أجيالاً خرج من بينها محامون ومهندسون وضباط وإعلاميون ومدرسون، وكثيرون منهم سافروا إلى الخارج وبرعوا في مهنهم، وهو الذي رأى في العلم رسالة حتى أنه كان يدفع من جيبه، وهو الآدمي الذي أحبّه كلّ من عرفه ولا سيّما أنه كان يعرض خدماته على الجميع، ويواظب على تدريس الدين للتلاميذ ويُشدّد على أهمية الرياضة.

من الطبيعي أن تفتقده بلدته ديربلا و"بلاطة" ديربلا التي كان يعبرها يومياً للوصول من منزله إلى مدرسته التي أقفلت منذ سنوات، وستفتقده طريق "النقاطة" التي تربط ديربلا بالكورة والتي كان يسلكها مشياً أو بسيارته "المرسيدس 200" والتي ظلّ متمسكاً بها على رغم "الموديلات" الجديدة.

جرح الأهل والمحبين كبير، والعبرة من أن يعود القيّمون على مهنة التدريس إلى الوجدان وان يسيروا على هذه الطريق، طريق التعليم رسالة وليست تجارة.