فريتز شاب

إثيوبيا...الزعيم الفائز بنوبل للسلام يشنّ حرباً وحشية

3 تشرين الثاني 2021

المصدر: DER SPIEGEL

02 : 01

كان برهان، القنصل الإثيوبي السابق في لوس أنجليس، يعرف آبي منذ سنوات، وقد شارك في تنظيم ذلك الحدث في الملعب الرياضي وصعد إلى المنصة لتقديم رئيس الوزراء. لكن راح الجمهور يطلق شعارات عنصرية ضده. يأتي برهان من إقليم "تيغراي" وكانت تلك الإهانات موجّهة ضده بكل وضوح. كان يأمل في أن يوبّخ صديقه آبي الحشود لكنه لم يفعل ذلك.

يخدم برهان الدولة الإثيوبية منذ العام 1992، وقد كان لفترة جزءاً من فريق التواصل في الحكومة، قبل أن يصبح رئيس وكالتَين إخباريتَين حكوميتَين ثم ينتقل إلى السلك الدبلوماسي. لطالما كان وجهاً مألوفاً في أوساط السلطة. وخلال السنوات الأخيرة من عهد النظام القديم، تشاجر مع قادة الحكومة بسبب مطالبته بتطبيق إصلاحات واسعة كما يقول، لكنه احتفظ بمنصبه كدبلوماسي رغم كل شيء. كان برهان صديق آبي منذ العام 2004، وقد سأل رئيس الوزراء بعد خطابه عن سبب امتناعه عن توبيخ الجمهور، فأجاب آبي بأنه لم يجد أي خطأ في ما حصل.

يقول برهان إنه شعر بأن مستقبل إثيوبيا سيكون مشرقاً في مرحلة معينة، لكنه لم يتصور يوماً أن يطلق آبي حرباً في بلده، وأن يصبح مئات آلاف الناس في عهده مُهدّدين بالمجاعة في إقليم "تيغراي" الشمالي، وأن يضطر ملايين الأشخاص للهرب، وأن يقود هذا الرجل، الذي اعتبره صديقه، إثيوبيا إلى حافة الهاوية. لكن هذا ما حصل على أرض الواقع.

يطرح عدد كبير من الناس حول العالم السؤال نفسه: من هو آبي أحمد؟ وكيف يُعقَل أن يقود الرجل الذي تلقى جائزة نوبل للسلام في العام 2019 حملة تنطبق عليها مواصفات الإبادة الجماعية ضد شعبه؟ أجرت صحيفة "دير شبيغل" مقابلات مع شركاء ودبلوماسيين وأعضاء سابقين في الحكومة ومراقبين قدامى، وراجعت مواقف آبي وإطلالاته منذ استلامه السلطة. يعكس هؤلاء صورة زعيمٍ بات يرفض النصائح، ويؤمن بالتصوف، ويبدو مهووساً بالسلطة، ويعتبر نفسه مختاراً من الله، ويظن أن فوزه بجائزة نوبل يمنحه تفويضاً مطلقاً.

عيّن الائتلاف الحاكم آبي في العام 2018 لإرساء السلام في إثيوبيا. كان ائتلاف قوي بقيادة زعماء من "تيغراي" قد حكموا البلد في آخر 27 سنة، لكن بدأت الاحتجاجات المعادية للحكومة تتصاعد في تلك المرحلة. كان آبي في السابق ضابطاً استخبارياً بارزاً وقد تم اختياره لتسهيل المرحلة الانتقالية الديمقراطية حتى موعد الانتخابات اللاحقة. لكن بعد فترة قصيرة على وصوله إلى السلطة، أعلن بشكلٍ مفاجئ أنه ينوي تحويل الائتلاف الحاكم إلى حزب واحد وأطلق عليه اسم "حزب الازدهار".

عبّر المجتمع الدولي عن إعجابه بهذا المسؤول الإصلاحي المزعوم، وألقى آبي خطابات شعبوية كثيرة، فاعتبر نفسه رأسمالياً وأعلن أنه يخطط لإضعاف قبضة الدولة على الاقتصاد وتعزيز انفتاحه عبر خصخصة الشركات المملوكة للدولة، وصرّح أيضاً بأنه ينوي تجاوز السياسات العرقية. لقد أراد الكثيرون في الغرب أن يسمعوا هذا النوع من الرسائل. في الوقت نفسه، أطلق آبي سراح المعتقلين السياسيين وتكلم عن الديمقراطية وأشاد بحرية الصحافة.

لكن لم يلاحظ إلا عدد صغير من الناس خارج حدود إثيوبيا أنه بدأ ينشر الكره ضد زعماء سابقين من إقليم "تيغراي" بعد فترة قصيرة على استلامه السلطة. نتيجةً لذلك، توسعت المخاوف في مناطق كثيرة من إقدام آبي على إلغاء النظام الفدرالي المتوازن الذي يمنح استقلالية واسعة إلى مناطق ذات طابع عرقي مثل "تيغراي".

على صعيد آخر، جذبت سياسته الخارجية انتباه الكثيرين: بعد أشهر قليلة على وصوله إلى السلطة، تفاوض آبي على اتفاق سلام مع الدكتاتور الإريتري أسياس أفورقي، مع أنه كان من ألد الأعداء سابقاً. وفي العام 2019، تلقى جائزة نوبل للسلام بفضل إصلاحاته وتقرّبه من إريتريا، مع أن تفاصيل اتفاق السلام لا تزال مجهولة ولم تُفتَح الحدود بين البلدين إلا لبضعة أشهر. يزعم النقاد أن آبي استغل تلك المصالحة المزعومة مع إريتريا لتسهيل تدمير عدوهما المشترك المتمثل بـ"الجبهة الشعبيــــــة لتحرير تيغراي".

يأسف المؤرخ الإثيوبي وولبرت شميت، الذي عمل طوال عشر سنوات في الجامعات الإثيوبية، من سذاجة عدد كبير من السياسيين الغربيين لأنهم يقدّرون "القادة الأفارقة الذين يلقون خطابات بسيطة". بحسب رأيه، وضع آبي نفسه فوق القوانين والمؤسسات التي نجحت في إقامة توازن هش بين مختلف الجماعات المتناحرة.

عملياً، لم تنجم معظم الإصلاحات عن قرارات آبي، بل كانت نتاج خطوات اتخذها الائتلاف الحاكم حينها. حتى أن قرار إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذي نُسِب إلى آبي في معظم الأوقات صدر عن سلفه.

أطلق آبي حملة عسكرية في بلده بعد 11 شهراً فقط على تلقيه جائزة نوبل للسلام. تصاعد التوتر مع سكان "تيغراي" بعدما أجروا انتخابات إقليمية بما يتعارض مع توجيهات أديس أبابا، ودعا آبي حاكم إريتريا الدكتاتوري إلى إرسال قواته العسكرية إلى "تيغراي" أيضاً.

في المرحلة اللاحقة، اندلعت حرب وحشية ضد "تيغراي" حيث استُعمِل الاغتصاب والتجويع كأسلحة حرب على نطاق واسع، لا سيما من جانب جنود إريتريا. ومنذ شهر تموز الماضي، تمنع حكومة آبي وصول معظم المساعدات إلى "تيغراي" حيث يواجه بين 400 و900 ألف شخص المجاعة ويتكل جميع السكان تقريباً على وصول المساعدات. كذلك، يتعرض القادمون من "تيغراي" للهجوم والاضطهاد في أنحاء إثيوبيا.

في غضون ذلك، توسّعت مظاهر العنف في أجزاء أخرى من البلد وتصاعدت الاشتباكات العرقية المتكررة. وحتى النمو الاقتصادي الذي اقترب من نسبة 10% خلال السنوات التي سبقت عهد آبي انهار بالكامل الآن.

في شهر حزيران من هذه السنة، فاز آبي وحزبه في الانتخابات البرلمانية. لكن احتجّت فئات واسعة من المعارضة على الوضع عبر الامتناع عن المشاركة أو لأن قادتها يقبعون في السجن. حتى أن جزءاً كبيراً من المواطنين، بما في ذلك عدد هائل من الناخبين المحتملين في "تيغراي"، لم يُسمَح له بالتصويت. وفي بداية تشرين الأول، تم تنصيب آبي رسمياً كرئيس وزراء للسنوات الخمس المقبلة.

بدأ آبي يجنّد المتطوعين لتضخيم جيشه خلال الصيف، قبل أن يُقسِم اليمين. وبعد فترة قصيرة على تنصيبه، أطلق عملية هجومية واسعة أخرى ضد سكان "تيغراي"، فردّوا عليه بإطلاق هجوم مضاد يبدو ناجحاً حتى الآن. يظن مراقبو إثيوبيا أن آبي وحربه في "تيغراي" يحظيان بدعم واسع وسط المواطنين. وبرأي أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، يظن عدد كبير من الإثيوبيين أن سكان "تيغراي" يستحقون مصيرهم بعد 27 سنة من الحُكم الدكتاتوري.

تبدو استراتيجية آبي غدارة بقدر ما هي فاعلة، فهو يلوم الغرب على الأزمة القائمة في ذلك الإقليم. كما أنه يصوّر نفسه كمناضل ضد شكلٍ مزعوم من الاستعمار الجديد الذي يجعل إثيوبيا تعاني. في الوقت نفسه، منعت حكومته منظمات الإغاثة الدولية من القيام بعملها، وطردت مسؤولين مرموقين من الأمم المتحدة إلى خارج البلد، واعتقلت الصحفيين.

على غرار عدد كبير من الإثيوبيين، ينتمي آبي إلى الكنيسة الإنجيلية التي تؤمن بأن الفرد يستطيع جمع الثروات عن طريق التقوى. تقول تسيدالي ليما، رئيسة تحرير المجلة الإخبارية "أديس ستاندرد": "اتّضح سريعاً أن الدين هو الذي يرسم رؤيته العالمية". يبدو أن آبي يتعامل مع الحملة القائمة في "تيغراي" انطلاقاً من هذا المنظور الديني، ويُجمِع المراقبون على أنه يعتبر الحرب اختباراً من الله. في الفترة الأخيرة، أقدم ديكون دانيال كيبرت، وهو مسيحي متطرف ومستشار مقرّب من آبي، على تشبيه سكان "تيغراي" بالشيطان ودعا إلى إبادتهم.

يقول كجيتيل ترونفول، أستاذ في دراسات السلام والصراعات في الكلية الجامعية الجديدة في أوسلو ومراقب مطّلع على السياسة الإثيوبية: "لقد سمعتُ من أوساط آبي الداخلية أنه مقتنع بحصول شكلٍ من التدخل الإلهي وأن الله سيتحرك بطريقة ما ضد قوات الدفاع في "تيغراي"". برأيه، أصبحت دوافع آبي الدينية محور تفكيره، لكن لم يأخذ المجتمع الدولي هذا الجانب على محمل الجد.

اتضح حجم تأثّر رئيس الوزراء بالأفكار الدينية في مقطع صوتي مأخوذ من اتصال هاتفي تسرّب في بداية شهر حزيران بين آبي وواعظة ويعتبره الخبراء حقيقياً. في ذلك المقطع، تقول الواعظة إن الله أخبرها بأن رئيس الوزراء يجب ألا يتفاوض مع أحد بل يُفترض أن يتصرف بوحشية باسم الله العظيم. لقد أخبرت آبي بأنه يشبه النبي موسى ولن يتمكن أحد من إيقافه وأن الله سيجعله عظيماً. رداً على هذا الكلام، أجاب آبي أحمد الفائز بجائزة نوبل للسلام: "آمين"!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.