الراعي: لا نقبل بان تكون العدالة صيفا وشتاء تحت سقف واحد

15 : 16

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الاحد في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي عاونه فيه المطرانان أنطوان عوكر وشكرالله نبيل الحاج، أمين سر البطريرك الاب هادي ضو، القيم البطريركي العام الأب جان مارون قويق، في حضور عدد كبير من أهالي موقوفي حوادث عين الرمانة يتقدمهم عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب بيار بو عاصي والمختار إيلي قيصر ووكلاء الدفاع، بالإضافة إلى عائلة الشهيدين صبحي ونديمة الفخري على رأسها باتريك الفخري ووكيل العائلة المحامي روبير جبور، وفاعليات ومؤمنين.

بعد الإنجيل، ألقى الراعي عظة بعنوان:"طوبى لك يا سمعان بن يونا فإنه لا لحم ولا دم أظهر لك ذلك، بل أبي الذي في السماوات"، وقال: "تبدأ اليوم السنة الطقسية. ونفتتحها بإنجيل الإيمان بالمسيح وهو إيمان الكنيسة. وعليه بناها المسيح الرب، كما على صخرة. فكما أعلن سمعان بطرس إيمانه في قيصرية فيليبس، مجيبا على سؤال يسوع عمن هو بالنسبة إليهم، وكان مميزا، قال له يسوع: "طوبى لك يا سمعان بن يونا فإنه لا لحم ولا دم أظهر لك ذلك، بل أبي الذي في السماوات. وأقول لك أيضا أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" .

نلتمس اليوم من الله نعمة الإيمان في بداية هذه السنة الليتورجية، لكي نعيشها على هدي أنوار هذه العطية الإلهية التي بدونها نخطئ الطريق".

أضاف: "يسعدني أن أرحب بكم جميعا، وبخاصة بأهالي موقوفي أحداث عين الرمانة المؤسفة. وأوجه التحية لأولاد المرحومين صبحي ونديمة فخري اللذين قتلهما أمام دارتهما في بتدعي مجموعة من الأشرار في المنطقة، حاولوا سلب سيارات أولاد المغدورين صباح الخامس عشر من تشرين الثاني 2014. وما زالت القضية عالقة أمام القضاء، فيما بعض من أفراد المجموعة موقوفون، والأخرون فارون من وجه العدالة. عدد المتهمين 21 شخصا. نأمل أن تتمكن العدالة من إنهاء النظر في هذه الجريمة النكراء واتخاذ قرارها الجزائي الحاسم والنهائي. نقدم هذه الذبيحة الإلهية لراحة نفسي الزوجين صبحي ونديمة فخري، وعزاء أولادهما وعائلاتهم".

وتابع: "كما أن في السنة الشمسية، تدور الأرض حول الشمس في أربعة فصول، لتستمد منها النور والحرارة الضروريتين للحياة، كذلك في السنة الليتورجية، الكنيسة تدور حول المسيح شمسها، في فصول تسمى أزمنة، لتستمد منه نور الكلمة والإيمان، وحياة النعمة والتقديس، وقوة الشهادة للمحبة والحقيقة.

يحدد قداسة البابا بندكتس السادس عشر الإيمان بأنه عطية من الله، نعمة منه، إلهام من الروح القدس الذي ينير عقل الإنسان، ويحرك قلبه نحو الله، فيرى الحقيقة ويقبلها في عقله مقتنعا بها، وفي قلبه محبا لها، ويخضع إرادته لها عاملا بموجبها.

"أنت هو المسيح ابن الله الحي". هذه هي الحقيقة التي ولدتها النعمة عند سمعان بطرس. آمن على ضوئها، بأن يسوع هو المسيح المنتظر الذي تكلم عنه الأنبياء، وأنه ابن الله الذي صار إنسانا ليكلمنا عن الله، ويكشف لنا وجهه.

إن محيط قيصرية فيلبس أوحى صورا من المكان وضحت المعنى اللاهوتي في جواب سمعان-بطرس، وفي إعلان يسوع. فالمكان مؤلف من صخور شاهقة ينتهي معها جبل حرمون، ومن تحتها ينبع نهر الأردن. ويوجد في سفح يمينها بقايا أثرية من قصر قيصرية فيلبس، ومن جهة الشمال بالمقابل بقايا أثرية لهيكل الإله الوثني "بان" ومنه تسمى المحلة اليوم "بانياس".

إعلان بطرس "أنت المسيح ابن الله الحي" إقرار بأنه حي إلى الأبد ولا ينتهي بالموت مثل فيليبس قيصر، وأنه إله حي لا مثل "بان" الإله الحجر الذي اندثر.

كذلك جواب يسوع لسمعان مستمدة صورته من المكان. فسمى سمعان "صخرة" لا تضمحل، وأسس الكنيسة كبيت على هذه الصخرة، وهي كنيسة أبدية خلافا لقصر فيليبس ولهيكل الإله الوثني الحجري والمندثرين. ونهر الأردن النابع هناك هو علامة أنهار الحياة الجارية من الحمل المذبوح، كما جاء في رؤيا يوحنا الرسول".

وقال الراعي: "المؤمن الحقيقي، من أي دين كان، يرفع عقله وقلبه بالصلاة إلى الله ويستلهم نوره، لكي يحسن التصرف، وتكون أعماله تمجيدا لله. لو رفع المسؤولون في العالم والشعوب قلوبهم بالصلاة إلى الله لعملوا جاهدين من أجل تعزيز الأخوة وإحلال السلام. وإننا في المناسبة نهنئ رئيس وزراء العراق السيد مصطفى الكاظمي بنجاته من محاولة الإغتيال. ونرجو للعراق العزيز وشعبه الإستقرار والأمان. ولو كان معطلو الحكومة عندنا وبالتالي ممتهنو تعطيل المؤسسات الدستورية، والحياة الإقتصادية، وإفقار الشعب، مؤمنين حقا بالله، لخافوه خوفا مقدسا، وسارعوا إلى مرضاته عبر تأمين خير الشعب كله، وعبر تعزيز المؤسسات العامة وتنشيطها. لكننا نرى العكس تماما، وبخاصة عندما تبوء بالفشل جميع الوساطات الداخلية والخارجية، وتغلب كفة التعطيل وإفقار المواطنين".

وأردف: "مع تعطيل الحكومة، يتعطل من ناحية أخرى نشاط القضاء المنزه والحيادي والجريء. وهذا يقلق للغاية. فإن بعض القضاة يعززون الشك بالقضاء من خلال مشاركتهم في تعطيل التحقيق في تفجير المرفأ أو تعليقه أو تجميده أو زرع الشك في عمل المحقق العدلي. فقبل أن يطلب القضاء من الشعب أن يثق به، حري بالقضاة أن يثقوا بعضهم بالبعض الآخر. جريمة أن يحول بعض القضاة القضاء مربعات حزبية وطائفية ومذهبية، لاسيما في قضيتي المرفأ وعين الرمانة. اننا نكل رسالة القضاء الى شفاعة القاضي الطوباوي Rosario angelo Livatino الذي قتلته مافيا صقليا بإيطاليا، وهو كان بشجاعة نادرة وبتجرد، صادر مبالغ كبيرة من الاموال والممتلكات، واعتقل كبار الشخصيات، ثم غفر لقاتليه قبل موته. وتم تطويبه في 9 أيار 2021، وهو خير شفيع ودليل لكل قاض.

أمام ما نرى من تجاوزات قانونية نتساءل: هل أصبح بعض القضاة غب الطلب لدى بعض المسؤولين والأحزاب والمذاهب؟ إن ما يجري على صعيد التحقيق في تفجير المرفأ مستغرب حقا: طعن وراء طعن ورد وراء رد، ونقض وراء نقض وتعليق وراء تعليق، وأرواح الشهداء تنتظر، وأهالي الشهداء ينتظرون، والعالم ينتظر. لماذا هذا الإستخفاف بدماء أكثر من 200 ضحية، وستة ألاف جريح، وبدمار نصف بيروت وضواحيها، وتشريد مئات العائلات؟".

وأضاف: "ما نقول عن تحقيق المرفأ نقوله ايضا عن أحداث الطيونة ـ عين الرمانة. وإذ نجدد أسفنا العميق على سقوط الضحايا والجرحى، نؤكد أن عين الرمانة ليست عنوان حرب وتقاتل، بل عنوان تعايش مع محيطها على أساس من الشراكة والسلام والكرامة وحسنِ الجوار. منذ انتهاء الحرب اللبنانية، وأبناء عين الرمانة سعداء بحسنِ الجوار مع بيئتهم القريبة بعيدا عن الهيمنة والتوسعِ والسلاح، وبدت أحياؤهم ملتقى جميعِ الطوائف. لكنهم حافظوا ايضا على روح الصمود وشجاعة الدفاعِ عن النفس.

وإذ نترك للقضاء المستقل أن يأخذ مجراه في هذه الأحداث، ندعوه إلى أن يكون حياديا تجاه الجميع، ويراعي حقوق الموقوفين فيتوفر لهم حق الاجتماع بمحاميهم ولقاء أهاليهم، وندعوه للاسراع في التحقيق والإفراج عن كل من تثبت براءته. لا يجوز أن تحصل توقيفات وتمدد من دون مسوغ قانوني وقرينة، إنما فقط كرمى لهذا الطرف أو ذاك. لا يوجد في القضاء إكراميات بل توجد عدالة ولا نطلب سواها.

وتابع: "مرة أخرى نشدد على ضرورة حصول الانتخابات النيايبة في موعدها الدستوري ليعبر الشعب عن رأيه في مصير وطنه. ليست الانتخابات استحقاقا روتينيا، إنما هي موعد مع التغيير المنتظر من الشعب. إن حصولها حق وواجب في نظامنا الديمقراطي. وحرصنا على إجراء الانتخابات يواكبه حرص على أن تجري في إشراف الأمم المتحدة لضمان حق الترشيح، وأمن المرشحين، ونزاهة الانتخابات، وضبط الإنفاق المالي. وفي هذا السياق، يجدر بالمرشحين أن يكونوا شخصيات نخبوية ومؤهلة للعمل التشريعي والسياسي والوطني، إن الحياة السياسية في بلادنا تفتقد النخب الواعدة، وهذا نقص كبير في حياتنا الديمقراطية والوطنية".

وختم الراعي: "الى الله نكل أمنياتنا وأمنيات جميع ذوي الإرادة الحسنة، راجين أن يتقبلها لمجد إسمه القدوس، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".



بعد القداس، التقى الراعي وفدا من أهالي الموقوفين في حوادث عين الرمانة، وتحدث باسم الوفد النائب بو عاصي الذي قال: "أتينا اليوم الى هذا الصرح مع أهالي الموقوفين ووكلاء الدفاع عنهم، ونحن نعلم ان هذا الصرح المقدس ينضح بالعدالة وهذا الصرح الذي أنشأ لبنان الكبير، لنقول انه في لبنان الكبير هناك نقص في العدالة وهناك ظلم ولنضع بين يديك يا صاحب الغبطة هذا الواقع، ونسعى معك من أجل تحقيق العدالة للموقوفين وعائلاتهم الذين لم يستطيعوا رؤية اولادهم لاسابيع، وحتى لم يستطيعوا الدفاع عن انفسهم".

وأضاف: "ان عين الرمانة تم الاعتداء عليها، والعدالة لا تكون بأن نضع في كفتي الميزان المعتدي والمعتدى عليه، فأن العدالة لا تتوازن بهذه الطريقة بل تكون العدالة بان نضع المرتكب ومقابله نضع القانون والعقاب العادل لنحصل على العدالة، واليوم وضعنا المعتدي والمعتدى عليه في كفتي الميزان لا بل المعتدي لا نعرف اين هو، والعشرات والمئات هجموا على عين الرمانة ولكننا لا نعلم اين هم، وما نعلمه انه لا يزال لدينا 12 شابا من ابنائنا لا يزالون قيد التوقيف و33 تم تسطير مذكرات توقيف غيابية بحقهم، هذا الامر لا يجوز وكأننا نقول لكل أهل لبنان ان يفقدوا النخوة، وعندما يتعرض أحد الاحياء لأي اعتداء فمن الطبيعي لأولاد هذا الحي النزول لحراسة أرزاقهم وممتلكاتهم وجيرانهم في كل الطوائف والمذاهب والمكونات".

واعتبر "حين تستقيل الدولة من مسؤولياتها تحصل مشاكل كبيرة، وعين الرمانة هي الرمز، ففي العام 1975 استقالت الدولة ودفعت عين الرمانة الثمن".

وختم بوعاصي: "ان املنا بك يا صاحب الغبطة كبير جدا لأنك رمز العدالة والحق، ونتمنى عليك ان لا تسمح بأي شكل من الاشكال ان تكون هناك ضغوط سياسية كي لا يصبح الخطأ خطأين و3 و5 انما ان تأخذ العدالة مجراها، وان يعود شبابنا الى أهلهم واولادهم في اسرع وقت ممكن".

ورد البطريرك الراعي بكلمة مرحبا بالوفد، وقال: "من المؤكد انكم سمعتم في عظة اليوم انه بالنسبة لنا القضاء شيء مقدس، وان القضاء اذا لم يكن حرا ومتجردا فمن الصعب جدا ان تكون هناك حياة اجتماعية وسلام في العلم، العدالة وجدت كي تعيش الشعوب بسلام وكي ينال كل واحد حقه، ومن المؤكد اننا لا نقبل بان تكون العدالة صيفا وشتاء تحت سطح واحد، وهذا ما نرفضه رفضا قاطعا، فالعدالة على الجميع وللجميع، وعندما تكون العدالة على الجميع ومن أجل الجميع تصل حقوق كل شخص وفرد اليه، ونحن نأسف مرة ثانية على هذه الاحداث التي لم تولد هكذا انما لها أسبابها بكل اسف، وهذه الاسباب اوصلتنا الى هنا، ولكن هذا كله نتيجة ماذا؟ انه نتيجة التخاذل من خلال السلاح المنتشر يمينا وشمالا، وهذا التخاذل هو استخفاف بالقضاء وبالناس وبالارواح، وهذا نرفضه وترفضونه انتم معنا، وهذا ما نندد به كل يوم أحد في عظاتنا وفي كل بيان نصدره، واننا لا نستطيع العيش في شريعة الغاب ولا نستطيع العيش في دولة أساسها كانت الدولة اللبنانية نموذجا للقانون والعدالة والقضاء، لبنان كان نموذجا وفوق الجميع وفوق كل المذاهب والديانات، والقضاء ليس له وجه او مذهب او دين او طائفة أو حزب، وعندما يصبح القضاء تابعا لهذا الحزب او لهذا الدين او لهذه الطائفة او لهذا المذهب نكون اصبحنا في شريعة الغاب، لذلك فان هذه اللغة هي لغتكم ولغتنا وثقافتكم هي ثقافتنا، ولا يمكن ان نقبل بالتضحية في هذه الثقافة اي ثقافة العدالة المحقة والمنزهة والمجردة، وسنبقى نناضل معكم".

أضاف: "اننا نأسف جميعا للضحايا الذين سقطوا وللجرحى ونأسف على الموقوفين الذين ينتظرون، اننا نسمع كثيرا عن هذا الموضوع ونأمل مع وكلاء الدفاع وذوي الارادات الطيبة ومع القضاء ان نعطي كل انسان حقه وكل ذي حق حقه، ونحن لا نريد الظلم لأحد ولا نريد عدالة هنا وظلما هناك، ونأمل من القضاء ان يحزم أمره لاننا لا نستطيع ان نعيش هكذا وفي هذه الطريقة التي وصل اليها القضاء وهذا يعني اننا في حالة حرب دائمة ولااستقرار اذا استمررنا هكذا".

وقال: "بكل أسف بكل القضايا الحكومة معطلة، لان هناك تدخلا سياسيا في القضاء، وهذا ليس معقولا، السياسة شيء والقضاء شيء آخر، المذهب شيء والقضاء آخر، وكذلك الطائفة والحزب، القضاء قائم على فصل السلطات وهو لكل الناس والمواطنين، اقول لكم تقبلوا جرحكم وجرح اولادكم ونحن اليوم في بيت مقدس فلنصل كي يلهم ربنا العادل كل أنسان يعمل من أجل القضاء والقانون مسؤوليته".

وختم الراعي: "اننا في ذكر القاضي انجيلو في عظة اليوم هذا الشاب الشجاع الذي قتل لانه وقف مع الحق والعدالة وجابه المافيا التي هي قوة هائلة في ايطاليا. هذا القاضي الشاب لم يخف من شيء وهو واجه وواكب وحمل القانون والعدالة واستطاع ان يمارس عمله بعيدا من اي تسييس، ولهذا استحق القداسة، ونحن نتمنى من كل ورجل قانون عندنا أن يكون مثله ويصدر الاحكام بخوف الله. نطلب من ربنا ان يعطيكم القوة ونحن نتابع قضيتكم مع الوكلاء".

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.