المأكولات المطبوخة والنيئة ما تأثيرها على أمعائك؟

5 دقائق للقراءة
من المنطقي أن تؤثّر المأكولات المطبوخة والنيئة على البيئة الميكروبية في الأمعاء بطرقٍ مختلفة، لكن بقيت الأبحاث عن هذا الموضوع محدودة. تؤكد دراسة جديدة الآن على هذه الفكرة... بما أن الطبخ يعني تعريض الطعام للحرارة، لا مفرّ من أن تتغير خصائص الأغذية الفيزيائية والكيماوية. لكن هل تؤثّر هذه التغيرات على البيئة الميكروبية الحساسة في الأمعاء؟ إنه السؤال الذي طرحه باحثون من جامعتَي كاليفورنيا، سان فرانسيسكو، و"هارفارد" في "كامبريدج"، ماساتشوستس، ومعاهد أخرى.

يوضح المشرف الرئيس على الدراسة الجديدة، بيتر تيرنبو، وهو أستاذ مساعِد في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو: "حلل مختبرنا ومختبرات أخرى طريقة تأثير مختلف أنواع الحميات، مثل الحمية النباتية مقارنةً بالحمية الغنية باللحوم، على البيئة الميكروبية. تفاجأنا حين اكتشفنا أن أحداً لم يحلل قدرة الطبخ على تغيير تركيبة البيئة الميكروبية في الأمعاء".

الطبخ يغيّر التنوع الجرثومي!

نُشرت نتائج الدراسة الجديدة في مجلة "علم الأحياء المجهري الطبيعي". بدأ الباحثون يحللون طريقة تأثير مختلف أنواع الأغذية المطبوخة والنيئة على البيئة الميكروبية في أمعاء الفئران. لتحقيق غايتهم، أعطوا الفئران حمية غنية بلحم البقر النيء أو المطبوخ، أو بطاطا حلوة نيئة أو مطبوخة. استعمل العلماء هذه المأكولات تحديداً لأن الدراسات السابقة ذكرت أن الطبخ يغيّر محتواها الغذائي ولأنها جزء من الحميات البشرية.

تفاجأ الباحثون في البداية حين اكتشفوا أن تأثير اللحوم النيئة والمطبوخة على البيئة الميكروبية في أمعاء الفئران لا يختلف بشكلٍ واضح. لكن برزت اختلافات جليّة بين البطاطا الحلوة النيئة والمطبوخة.

تراجع التنوع الجرثومي في أمعاء القوارض التي استهلكت بطاطا نيئة، كما انخفضت أعداد الجراثيم مقارنةً بمعدلاتها في بداية الدراسة. كذلك، ارتفعت نسبة جراثيم العصوانية التي تؤدي دوراً أساسياً في تفكيك سكر الغليكان في أمعاء الفئران.


للتأكد من هذه النتائج، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب، فلم يكتفوا بإطعام الفئران البطاطا الحلوة النيئة والمطبوخة، بل أعطوها أيضاً أغذية متنوعة من حيث كمية النشويات وسرعة الهضم، مثل البطاطا البيضاء، والشمندر، والجزر، والذرة، والبازلاء.

اكتشف الباحثون مجدداً أن البطاطا المطبوخة والنيئة، من النوعَين، تؤثر على التنوع الميكروبي في الأمعاء بطرق مختلفة. لكن لم تنطبق هذه النتيجة على الأغذية الأخرى.

يوضح الباحثون في تقريرهم أن السبب يتعلق على الأرجح بارتفاع كمية نشاء بطيء الهضم في البطاطا، على عكس الأغذية الأخرى في هذه التجربة. يتمتع هذا النوع من الكربوهيدرات بخصائص تتبدل تحت تأثير الحرارة.

يقول تيرنبو: "تفاجأنا حين لاحظنا أن الاختلافات لا تنجم حصراً عن تغير استقلاب الكربوهيدرات، بل تشتق أيضاً من العناصر الكيماوية في النباتات. تدعونا هذه النتيجة برأيي إلى أخذ عناصر أخرى في حميتنا بالاعتبار وفهم طريقة تأثيرها على الجراثيم المعوية".

لاحظ العلماء أيضاً أن الفئران التي استهلكت أغذية نيئة خسرت الوزن، ما يوحي بأن التغيرات في البيئة الميكروبية المعوية قد تكون مسؤولة عن هذا الأثر. لكن حين أخذ الباحثون جراثيم معوية من القوارض التي تناولت أغذية نيئة وزرعوها لدى فئران تستهلك طعاماً عادياً، اكتسبت المجموعة الثانية الوزن.

حيّرت هذه المعضلة الباحثين، لذا يتابعون محاولاتهم لاكتشاف السبب المحتمل وراء هذه النتيجة المفاجئة.

تداعيات محتملة على صحة البشر

في المرحلة الأخيرة من البحث، تعاون العلماء مع رئيس طهاة محترف واستعانوا بخمس نساء سليمات وثلاثة رجال أصحاء بين عمر 24 و40 عاماً، ووافقوا جميعاً على المشاركة في التجربة الغذائية.

حضّر رئيس الطهاة وجبات نباتية نيئة أو مطبوخة، ثم جرّبها المشاركون بترتيب عشوائي، واستهلكوا كل وجبة طوال ثلاثة أيام. بعد مرور الأيام الثلاثة على تبني حمية نيئة أو مطبوخة، قدّم المشاركون عينات من البراز لتحليلها في المختبر. جرّب كل مشارك الحميتَين معاً.

مجدداً، لاحظ الباحثون اختلافات واضحة بين أنواع الجراثيم المعوية بعد استهلاك مأكولات نيئة ومطبوخة. لكن بقيت الاختلافات ضئيلة في التغيرات التي رصدها الباحثون في البيئة الميكروبية البشرية مقارنةً بالفئران.

يريد الباحثون مستقبلاً إجراء دراسات إضافية لا تكتفي بتوضيح أثر المأكولات المطبوخة على الجراثيم المعوية فحسب، بل تستكشف أيضاً سبب الاختلافات بين أثر الطبخ على البشر مقارنةً بثدييات أخرى.


يضيف تيرنبو: "كان مدهشاً أن نكتشف أهمية أثر الطبخ لدى البشر، بما يشبه مفعوله لدى القوارض. لكن كان لافتاً أيضاً أن تختلف خصائص ذلك الأثر في البيئة الميكروبية بين الجنسَين. نريد إجراء دراسات بشرية واسعة وطويلة ومبنية على المراقبة لفهم أثر التعديلات الغذائية على المدى الطويل. يجب أن نفهم في المرحلة المقبلة أثر الحميات النيئة والمطبوخة على اكتساب الوزن أو خسارته، ونستكشف مختلف الآليات البيولوجية الكامنة".

بحسب رأيه، على العلماء أن يكتشفوا أيضاً أثر الطبخ على الجنس البشري خلال آلاف السنين، فقد انتقلت أجسامنا من تفكيك الطعام النيء إلى هضم وجبات أكثر تعقيداً.

يستنتج الباحثون في نهاية تقريرهم: "بما أن الأغذية اليومية تُعطّل على ما يبدو المسار الفيزيولوجي للجراثيم المعوية عند استهلاكها بنسختها النيئة، تزيد فرصة استعمال الحمية البشرية لابتكار العلاجات وتصميم أدوية متعددة الأهداف، بناءً على التفاعلات بين البيئة الميكروبية المعوية والجزيئات الغذائية الصغيرة".