السفير د. هشام حمدان

من أجل العدالة للبنان وشعبه: لبنان واللبنانيّون ضحايا

12 تشرين الثاني 2021

02 : 00

في مثل هذا التاريخ من العام الماضي، عقد ملتقى "متحدون من أجل العدالة للبنان وشعبه" مؤتمراً مميزاً في فندق أرميتاج في بلدة عين الرمانة قضاء عاليه، شارك فيه عدد من الأخصائيين، وحضره حشد كبير من القانونيين والوجوه المهنية والإجتماعية. وكان الغرض من هذا المؤتمر هو الإضاءة على الحقوق والواجبات الوطنية وذلك وفقاً لقواعد القانون الدولي، سواء على مستوى السلطة العامة، أو على مستوى الأفراد. وقد تحدث فيه كل من المحامي الدكتور طلال جابر باسم نقابة المحامين في بيروت وجبل لبنان، ونقيب المحامين في الشمال محمد المراد، وممثل عن ضحايا تفجير المرفأ المحامي بيار الجميل إضافة إلى الدكتور عماد شمعون، العميد مروان زكي، الدكتور جعفر عبد الخالق والدكتور خضر الحلبي.

توزعت محاضرات المؤتمر على عنوانين: الأول يتعلق بالعدالة للبنان، والثاني يتصل بالعدالة للشعب اللبناني. وقد تحدث في العنوان الأول كل من العميد الدكتور رياض شيا، صاحب الكتاب عن إتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل لعام 1949، فشرح أبعاد هذه الإتفاقية وإطارها القانوني وأهميتها. وتبعه كل من الأب الدكتور ألبير عساف والأب عبدو أبو كسم، فتحدثا عن أهمية حياد لبنان لحفظ العدالة الإجتماعية وحماية العيش المشترك. وشرح الأب عساف معاهدة اللاتران والعبرة منها مؤكداً على أن التاريخ إرث ومنهل. أما الأب أبو كسم فأجرى قراءة في مذكرة لبنان والحياد الناشط وماذا يعني الحياد وفوائده. وتحدثت بعدهما منسقة الأنشطة الإنسانية للمنظمات التابعة للأمم المتّحدة في لبنان والممثل المقيم للأمين العام في لبنان الدكتورة نجاة رشدي، حول دور الأمم المتحدة لمساعدة لبنان لبناء السلم بعد النزاع. ثم ختمت المحاضرات تحت هذا العنوان، النقيبة السيدة جينا الشماس التي تحدثت عن مكافحة الفساد في القطاع العام، والمبادئ العشر لمكافحة الفساد وتطبيق معاهدة الأمم المتّحدة ضد الفساد.

وتحدث في العنوان الثاني القاضي الدكتور غسان رباح مشدداً على دور القضاء اللبناني في معالجة جريمة مرفأ بيروت. وتبعه السفير الدكتور هشام حمدان فتحدث عن جريمة المرفأ في القانون الدولي ووفق نظام المحكمة الجنائية الدولية. ثم قدم الدكتور نضال الجردي قراءة في نظام تحقيق العدالة الجنائية وشرح حكم المحكمة الخاصة بلبنان. وختم هذا الفصل من المحاضرات المحامي الدكتور سلام عبد الصمد فتحدث عن محكمة خاصة بمكافحة الفساد والجرائم المالية، وطرق إسترداد الأموال المكتسبة خلافاً للأصول، والإدعاء أمام المحكمة الجنائية الدولية.

اتسم المؤتمر بالمهنية العالية والمتجردة. ونظراً للظروف التي فرضها وباء "كورونا"، قام الملتقى بطباعة مجريات المؤتمر في كتاب خاص حمل عنوان العدالة للبنان وشعبه. وتم التعاون مع دار سائر المشرق لتوزيعه، كما تقرر بيعه بسعر زهيد والتبرع بكافة عائداته إلى فوج إطفاء الكرنتينا الذي دفعت عناصره ثمناً باهظاً لتفجير المرفأ.

تناول الكتاب الخلفية التي أدت إلى إنشاء الملتقى والجهود التي بذلها أعضاؤه لتحديد فكرتهم الرئيسة، وهي أن لبنان واللبنانيين هم ضحايا ودفعوا أثماناً باهظة لحروب الآخرين على أرض وطنهم. وقدّم الكتاب شروحات قانونية تؤكد تلك الفكرة. فأبرز آثار اتفاقية القاهرة المشؤومة لعام 1969 على لبنان واللبنانيين، والتي جعلت لبنان ساحة الصراع العربي الإسرائيلي، والعربي العربي، والعربي الإقليمي وكذلك الصراع الدولي، وخاصة خلال الحرب الباردة وما بعدها. كما شرح أيضاً مسؤولية المجتمع الدولي عن كل الأضرار التي أصابت لبنان. فلبنان كان وطناً مزدهراً ومتقدّماً وينعم بالإستقرار والسلام، وأطلق عليه لقب سويسرا الشرق.

رئيس الكتائب الشيخ سامي الجميل، لم يقبل بفكرة أنّ حالة الإفلاس التي وصل إليها لبنان هي مسؤولية المجتمع الدولي. وقد سألت الشيخ سامي عن عمره فتبين أنه كان ما زال يحبو على ركبتيه يوم بدأت الحروب في لبنان بعد عام 1968. شرحت للشيخ سامي أنه وكل لبناني آخر أصبح أسيراً لثقافة الحرب. فبعد أكثر من خمسين سنة من هذه الحروب تحوّل اللبناني الذي كان يضجّ بالحريات والديموقراطية أسيراً منهكاً في سجن إحتلال غشيم جاثم على صدره يدير البلاد والعباد على طريقته. وأوضحت أنه لولا هذا الإحتلال لما أمكن لعملائه الذين استكانوا لجبروته فذهبوا يغرفون معه من خزينة الدولة وأموال الناس. وقلت له ترى ماذا سيفعل صراخك ضد الفاسدين من أركان السلطة وأنت ونحن نخضع لاحتلال إيران المقنع عبر حزبها؟

وقد اعتبرنا أن الوحدة الوطنية هي حاجة أساسية لاستمرار لبنان وبقائه. وسعينا ان نضع الإفكار التي يمكن أن تريح المواطن في الجنوب، كما المواطن في البقاع والشمال والجبل وبيروت. فشدّدنا على إتفاقية الهدنة لعام 1949، ملاحظين أنها الركيزة الأساسية لبناء الحقوق السيادية للبنان، سواء في مواجهة إسرائيل او إيران وحزبها في لبنان أو غيرهما. ولفتنا إلى أن هذه الإتفاقية تحدد بوضوح الحدود بين لبنان وإسرائيل وتلحظ بالتشديد، على الحدود المعترف بها دولياً لعام 1923. هذا الإعتراف الدولي بما في ذلك الأميركي، هو القوّة القانونية التي سمحت للمفاوض اللبناني أن يقف بوجه مشروع نبيه بري الإطاري للمفاوضات مع إسرائيل بشأن ترسيم الحدود البحرية. وقد تضمن الكتاب شرحاً قانونياً لمفهوم بري الإطاري وأبرز عمق تسليم السلطة بالمصالح الخارجية على حساب المصالح الوطنية. لكن ومن المؤسف جداً أن قيادات سياسية وفكرية لبنانية واجهتنا بداية متسائلة لماذا نعيد طرح مسألة منذ عام 1949؟ كم هو محزن جهل اللبنانيين لحقوقهم في القانون الدولي!

ولطالما واجهنا عقولاً تصخّرت فيها المفاهيم الإيديولوجية فصارت فكرة الحياد الناشط والإيجابي علامة خيانة وعمالة. وقد قدّم الكتاب شرحاً قانونياً مسهباً لمفهوم الحياد. كما شرحنا مراراً أنّ الصراع من اجل الحقوق لا يكتمل بفكر لا يصل بنا إلا إلى الإنتحار والموت المجاني. ففي هذا العالم الجديد الذي تسوده العولمة لا يمكن إختزال المطالب بالقراءة التاريخية للحقوق، بل يجب ان تستند هذه المطالب على القواعد التي يقوم عليها هذا العالم. كل الشعوب لديها تاريخها. وكلها تعرضت لأضرار ودفعت اثماناً باهظة، فلماذا هذا الجمود الفكري؟

وحاولنا إقناع الرأي القانوني أن العدالة لضحايا تفجير المرفأ، ولضحايا الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري، تفترضان اللجوء إلى القواعد القانونية الدولية لهذا الغرض. وشرحنا في كتابنا كل التفاصيل التي تفسح أمام هذه الآلية الدولية. كما قمنا بتوثيق كل ما قاله الإعلام، وما ورد من تصريحات يوم 4 آب وما بعده، وخاصة ما ورد على لسان رموز إسرائيلية ولبنانية وغيرها. قلنا اننا لا نتهم أحداً لكننا لن نقبل بالتورية على أحد. لا مجال للإفلات من العقاب في القانون الدولي وأمام القضاء الدولي. رفضنا فكرة لجنة تحقيق دولية منعاً لتسييس القضية. لكن عبثاً فالضحايا تريد الطريق السهل وهو الصراخ العبثي أمام قصر العدل وفي الساحات. الشاشات صارت أجمل من تحقيق العدالة. بل أن بعضهم اعتبر أنّ اللجوء إلى القانون الدولي هو طعنة في الكرامة الوطنية. بالله عليكم أين هي الكرامة الوطنية تحت هذا الإحتلال المقنّع؟ وقد أكدت أيام السنة المنصرمة أن العدالة لن تتحقق في ظل الإحتلال، وخاصة أنّ الإحتلال هو المتهم الأول بالجريمة. فالقضاء اللبناني الذي نحترم خضع بدوره للمحاصصة السياسية وفقد كثيراً من مقومات استقلاله. أليس مطلب إستقلالية القضاء هو المطلب الرئيس لقوى الثورة؟ فكيف يطالبون بالشيء ويفعلون نقيضه؟

وقد كنا أول من لفت إلى عنوان بناء السلام بعد النزاع الذي هو العنوان الدولي لمساعدة الدول التي عانت من حروب كما في لبنان. كما لفتنا إلى أن المطالب لمكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة لها آلية دولية. وأدرجنا في الكتاب معلومات إخصائيين بهذا الصدد. وقلنا ان هذه الآلية لن تعمل طالما أن لبنان يخضع للإحتلال المقنّع. وأكدنا مراراً، أنّ الدعوات الإصلاحية التي أتحفتنا بها مجموعات الثورة وبعض قيادييها، وكذلك القيادات الدولية، ولا سيما قيادة الرئيس ماكرون وأصدقائه في السلطة، لن تؤتي ثمارها طالما أنّ لبنان يستمر ساحة مفتوحة لحروب الآخرين. كم هو مضحك فعلاً أن يطلب السيد ماكرون الإصلاح من (مع حفظ الألقاب) ميشال عون وجبران باسيل وسليمان فرنجيه، وسعد الحريري ونجيب ميقاتي وحسن نصر الله ووليد جنبلاط ونبيه بري وغيرهم وهم الذين أفسدوا البلاد ونهبوها!

لقد أسعدتنا كثيراً دعوة غبطة البطريرك إلى عقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتّحدة لحل الأزمة اللبنانية. لقد طالبنا بتنفيذ القرارات الدولية وفي طليعتها إتفاقية الهدنة. هذه القرارات ليست موجهة فقط إلى اللبنانيين والأحزاب اللبنانية، بل هي موجهة كذلك، لكل من يتدخل في شؤون لبنان الداخلية. نحن لا مخرج لنا إلا باللجوء إلى هذه الآلية التي شاركنا أصلاً بتأسيسها. وقد فوجئنا بحجم مطالبة البعض للأمم المتّحدة بوضع لبنان تحت الوصاية الدولية. لم يكن سهلاً علينا أن نقنع أصحاب هذا المطلب، وبينهم وجوه سيادية رفيعة، أن نظام الوصاية قد سقط كلياً، وأن المجتمع الدولي وضع السياسة البديلة تحت عنوان بناء السلام بعد النزاع. ونحن نقوم الآن بوضع بحث متكامل بهذا الصدد. وسوف يطلق الملتقى قريباً منظمة خاصة لهذا الغرض. وسندعو إلى مؤتمر آخر لهذا الغرض. فالملتقى من أجل العدالة ليس مؤسسة سياسية جامدة، بل هو منتدى فكري همّه خدمة الوعي العام. لا نعتبر أننا أعداء لأحد، لكننا نسعى إلى قول الحقيقة، وخاصة أننا جميعاً ننتمي إلى هذا الوطن، ونحن في مركب واحد، وعلينا أن نقبل بالمشاركة العاقلة في صناعة القرار الوطني لكي يصل بنا هذا المركب إلى بر الأمان. أما غير ذلك فالمركب سيغرق بالجميع.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.