رفيق خوري

تعثّر داخلي في مهب عاصفة الصراع الجيوسياسي

9 تشرين الأول 2019

02 : 26

في أواخر أيام الامبراطورية النمسوية – المجرية سئل وزير الخارجية عن حال حكامها آل هابسبورغ، فقال: "ميؤوس منها، ولكن غير خطيرة". وفي أيام الإحتفالات بمئوية لبنان الكبير مكان للقول أن حال لبنان خطيرة ولكن غير ميؤوس منها. وهذه قمة التفاؤل التي تبدو في بعض الخطاب الرسمي قمة الواقعية التي يسخر منها الخطاب الشعبي الغاضب. الامبراطورية التي كان اغتيال الأرشيدوق ولي عهدها على يد شاب صربي في سراييغو شرارة الحرب العالمية الأولى جرى تفكيكها على أيدي المنتصرين في الحرب. ولبنان المحتاج في معظم أموره إلى العرب والغرب، تأخذه قوى مؤثرة إلى "العمق الإستراتيجي" لمشروع إمبراطوري إيراني بتقدم وبجمع الأوراق تحت عنوان "محور المقاومة"، بمقدار ما يواجه استراتيجية أميركية لتفكيكه أقلها "كبح النفوذ الأقليمي" لطهران.

ومن الوهم تجاهل التأثر بهذا العامل المهم في الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط وعليه، للتركيز على العامل المحلي وحده في إدارة الأزمات المالية والإقتصادية. فنحن تحت المجهر الأوروبي والفرنسي بشكل خاص في إطار مؤتمر "سيدر". وتحت المجهر الإستراتيجي الإيراني، وتحت المجهر العام الأميركي والخليجي. ومن السهل على السلطة إنكار عمق الأزمات، وتباري أركانها في لوم بعضهم بعضاً ولعب أدوار الأبطال والضحايا في وقت واحد. لكن من الصعب الهرب من مواجهة حقيقتين:

الأولى أن التعثر في عملية الإصلاحات المطلوبة برغم تنامي الضغوط الخارجية وتزايد الصراخ الداخلي ليس مجرد خلافات "تقنية" على جنس الإصلاح، ما دامت المشاكل معروفة والحلول معروفة.

الثانية أن الذين يريدون مساعدتنا يضعون في حساباتهم تطورات الصراع الجيوسياسي، ويتخوفون من أن ننضم نحن، على الرغم منا، إلى الحصار المضروب على إيران وسوريا، وبالتالي من فرض العقوبات علينا بدل تقديم المساعدات.

ذلك أن الإصلاحات البنيوية تبدو مهمة مستحيلة في غياب دولة أرقى من الطوائف، وحضور سلطة طوائف تنتخب نوابها وتسمي وزراءها وتعين الموظفين الذين من حصتها، ولكل طائفة سياسة خارجية. وأي دراماتيكية في المنطقة، حيث تلوح أخطار حرب واسعة في وقت ما تجعل حتى الإصلاحات الهامشية في خطر.

وإذا جاء الحل فإنه يأتي متأخراً جداً، بحيث يفقد جدواه. والمفارقة أن بين المسؤولين من يطبق المثل اللاتيني القائل "متأخر ولكن بجدية". والمفارقة الأكبر أن بعضهم يتصرف كأنه يحرك التاريخ بأصبعه.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.