عَرفَ هذا البلد انواعاً وانواعاً من المواقف والسلوكات، في أحزاب وتيارات، ميزت بين الدولة والكيان بطريقة مأزقية.
فأعضاء أكثر من حزب وتيار وجماعة فيه اختاروا الدولة، وانتسبوا إلى إداراتها، وشاركوا في انتخاباتها، وقد يصبح الواحد منهم نائباً او وزيراً او رئيساً فيها... لكن هذا وذاك منهم لا يخضع للولاء إلى هذا الكيان السياسي، بل إلى كيان دولة اجنبية.
فهذا ينخطف إلى فلسطين، وذاك إلى إسرائيل، وثالث إلى سورية، ورابع إلى إيران، وخامس إلى "داعش" وغيرها...
أي أن هذا اللبناني يتعامل نفعياً مع دولته، وينقاد عميقاً إلى دولة اخرى، عبر الحدود، تبعاً لايديولوجية، سياسية او مذهبية، وهي منتهى ومآل تطلعاته.
هذا مدعاة إلى مباحث في الانتماء، حيث تبدو الهوية أعلى محدِّد في النسَب السياسي...
لا يعني هذا أنه لبناني مساند لسورية أو إيران أو دولة "داعش"، بل عنى هذا الانتساب، في تجارب لبنانية معروفة منذ بدايات الحرب، أكثر من هوى أو ميل في السياسة أو الايديولوجية... عنى ويعني أنه أصبح -هو اللبناني- عضواً نشطاً في منظمة فدائية، او في "جيش (إسرائيل) الجنوبي"، أو في "ولاية الفقيه"، أو جاهزاً لتفجير جسمه بقرار من بن لادن او البغدادي.
هذا لا يعني دفاعاً عن قضية، ولا مساندة لحق مهضوم، وإنما يعني- في أبسط التعريفات - التحاقَ مجموعةٍ محلية بدولة أجنبية، والخضوع لإمرتها.
هذا يستخلص هذه المجموعة من الدولة التي تقيم فيها، وتكون بذلك تهدد قيام الدولة، او تصبح "جاليةً" مقيمةً في بلدها..
كانوا يعيبون في ما مضى على "دولة لبنان الكبير" أنها قامت بعد أن ألحقتْ بها أقضية وساحل لم تكن جزءاً من متصرفية جبل لبنان... وفي هذا بعض الحق الأكيد. إلا أن ما يعايشه البلد من جرّاء هذه الانقسامات والولاءات لم يعد له أي علاقة بتأسيس دولة الكيان، الا إذا كان المقصود، عند بعض هذه الجماعات، "تصحيح" ما أفسده دهر السياسة (في حسابهم).
وهو تصحيحٌ لم يعد متاحاً في زماننا، عدا انه يضع جماعات البلد، باختلافاتها الكثيرة، وجهاً لوجه في حروب لا تنتهي.
ميشال شيحا، المنظر الأول لدولة لبنان، تحدث عن "الميثاق الوطني" أساسا للدولة، وعن "النظام الحر" للعلاقات الناظمة في المجتمع وبين الجماعات، فهل تُسهم هذه - فضلا عن أحقاد البعض القديمة، المتجددة - في تأمين شروط حديثة وممكنة لتجديد الميثاق؟
في سنة رحيله، كتب شيحا؛ "إذا كان النسيانُ آفةَ الإنسان، فإنه لدى الشعوب والدول يُعرّض للفناء. فلنبقَ موحّدَين. أقلّه على شيء واحد: على حُب لبنان".