جورج بوعبدو

الرسام التشكيلي تيغران ماتوليان: بيروت متحفٌ في الهواء الطلق

4 دقائق للقراءة
الرسام التشكيلي تيغران ماتوليان
لأنّ بيروت مدينة الفرح والحياة والجمال، ورغم كل السواد الحالك المحيط بها ما زالت تشهد نشاطات ثقافية مضيئة تسلط الضوء على ايجابياتها وتمدّ حاضريها ببعض الأمل بغد أفضل. وحول هذا العنوان التفاؤلي يندرج المعرض الذي نظّمه غاليري "آراميه" لكلّ من تيغران ومارغاريتا ماتوليان في "الزيتونا باي" ببيروت.

أجمل ما في المعرض هو هذا التشارك بين تيغران الفنان التشكيلي الوالد وابنته النحاتة اليافعة مارغاريتا. وكأنك تشهد عبر اعمالهما المعروضة وبأمّ العين كيفية انتقال الفنّ من جيل الى آخر بالجينات والممارسة. ساحرة هي الألوان الدافئة التي يرسم بها ماتوليان لوحاته، مزيج من الازرق والبني والأحمر والاخضر الدافئ بتزاوجٍ يفيض جمالاً في لوحات زيتية من فنّ التشكيل المعروف بالـAbstract تكتنز ألف قصة وقصة في طيات الألوان. "أعمالي معروفة بالرمزية وحين أبدأ برسم لوحاتي لا أفكّر أبداً في ما سأرسمه بل تفيض اللوحة من تلقائها على قماشة الرسم أمامي فأنا لا أرسم إلا ما أشعر به. ولعلّ أجمل ما تمدّني به لوحاتي هو هذا الفرح الذي ألمسه لدى كلّ من يتمتع بمشاهدتها فعالمنا الحالي تعيس قاتم يتحكم به فيروس قاتل، فضلاً عن المآسي الاجتماعية والحروب والكوارث الاقتصادية، فهل أجمل من أن استطيع ولو لبرهة قصيرة بثّ الالوان والفرح لتبديد الظلمات والكآبة؟ تلك هديتي لمن يحضر المعرض ولا شكّ في ان هذا الامر بالذات هو مصدر فرحي واعتزازي"، يؤكد تيغران الحائز على أرفع وسام رئاسي من بلده أرمينيا. وليست هذه الزيارة الاولى للفنان الى لبنان، وهو لا يجد فارقاً بين لبنان وأرمينيا من حيث الاحتفاء بالفنّ، بل يؤكد على التشابه التام بين بيروت ويريفان من حيث حبهما للفنّ وترويجهما للثقافة. وبرأيه تسوّق المدينتان العريقتان لفنّ عالمي يتخطى الحدود نحو الفضاء الاوسع، فالرسم التشكيلي والنحت تماماً كالموسيقى عابران للحدود الجغرافية، ويخاطبان شعوب العالم أجمع على اختلاف هوياتها وثقافاتها وتوجّهاتها الفكرية. "لعلّ أكثر ما يعجبني في لبنان كلما وطأت قدماي أرضه هو شعوري بأنني في متحفٍ شاسع في الهواء الطلق، فكلّ ما في هذه البلاد ينطق بالتاريخ العريق وكلّ ما تراه له قيمة تراثية، أينما اتجهت بنظرك لا ترى إلا جمالاً وعراقةً وفناً. بالنسبة إليّ بيروت هي فعلاً متحفٌ في الهواء الطلق" يوضح ماتوليان.


مايكل فاييجيان


يشرح مايكل فاييجيان وهو شريك في غاليري "آراميه"- (مقرّه الاساسي في يريفان بأرمينيا وموجود في بيروت منذ أكثر من عشر سنوات علماً أنه افتتح فرعاً له أخيراً في الكويت)- بأنّ المعرض الحالي تعبيرٌ صارخ عن إرادة البقاء ورفضٌ لثقافة اليأس والخنوع والموت. "بعد انفجار بيروت المأسوي في العام الماضي أعدنا بناء وترميم مبنى الغاليري في الصيفي. لم نستسلم لتداعيات الكارثة الأليمة، بل أردنا تحدّيها بافتتاحنا فرعاً آخر للغاليري في الزيتونة باي. وهكذا أتممنا رسالة الفنّ بمواجهة السلبيات بإصرارٍ دائم على نقل الوجه الجميل للبلد بدلاً من التركيز على ما هو قبيح فيه. وتيغران بلوحاته التشكيلية التي تحاكي الشرق الاوسط والعالمية ومارغاريتا بمنحوتاتها البرونزية الفريدة من نوعها أجمل من يعكس الجمال بالفنّ وينقله الى المتلقي بأبهى صورة، وبالتالي كان بديهياً أن نستقدمهما الى بيروت لنعرّف الجمهور اللبناني المحبّ للفنّ عليهما. سنعرض أعمالهما قريباً في بلدانٍ عربية أخرى".


النحاتة مارغاريتا ماتوليان مع منحوتاتها


لا تخفي النحاتة الشابة مارغاريتا فرحتها بالحضور الكثيف رغم الامطار المتساقطة بغزارة والعاصفة الهوجاء التي كانت كفيلة بثني كثيرين عن الحضور. "وجود هذا الكمّ من محبي الفنّ والنقاد التشكيليين الذين حضروا رغم الاجواء العاصفة لرؤية أعمالي يثلج صدري وهي المرة الثانية التي أعرض فيها ببيروت الحبيبة ويسعدني أن أنقل إليها كلّ هذا الحبّ والتقدير للجمال من خلال منحوتاتي لشخصياتٍ مرحة لا تغنّي إلا الفرح والبهجة والحياة مثلها تماماً، فرغم كل الظلمة المحيطة ببيروت لا بدّ من أن تنتصر ثقافة النور والفنّ".


*يستمر المعرض حتى 30 ديسمبر في «الزيتونة باي» من العاشرة صباحاً حتى العاشرة مساءً.

تزاوج التشكيل والمنحوت ماتوليان الاب ع ابنته ومايكل فاييجيان (تصوير رمزي الحاج)