جاد حداد

The Hand of God... سورينتينو في فيلم درامي

4 دقائق للقراءة

يقدّم المخرج باولو سورينتينو جزءاً من سيرته الذاتية في الفيلم الدرامي The Hand of God (يد الله)، فيعود إلى فترة شبابه في نابولي ويعرضها بأسلوب مؤثر وحزين وممتع أحياناً.

ما نفع الأفلام في الأساس؟ وفق عبارة واردة في هذا الفيلم، تقتصر منافعها على "الابتعاد عن الواقع الرديء".

يحمل المخرج الإيطالي فيديريكو فيليني هذا الرأي أيضاً. تدور الأحداث في منتصف الثمانينات، حين يأتي فيليني إلى نابولي لاختيار طاقم الممثلين لفيلمه المرتقب. لن نشاهده على الشاشة، لكن تصل كلماته إلى مسامع "فابيو شيزا" (فيليبو سكوتي)، ذلك المراهق النحيل واليقظ الذي تتمحور حوله قصة الفيلم.

يروي الفيلم أيضاً قصة مخرج شاب يُحقق هدفه رغم واقعه السخيف والمربك والمأسوي. قد يكون هذا الواقع رديئاً، لكنه يشمل مواد قيّمة يستطيع الكاتب والمخرج باولو سورينتينو استعمالها. يعود سورينتينو هذه المرة إلى ماضيه.

يبدأ الفيلم بمنظر ساحر من سماء نابولي، ويكون غروب الشمس خلفية لهذا المشهد المدهش. ثم ننتقل إلى أجواء صاخبة، فنشاهد زحمة سير ليلية خانقة لكنها تتحول أيضاً إلى مناسبة احتفالية، فتخرج امرأة جميلة من صف انتظار الحافلة وتتكلم مع رجل له لحية بيضاء في سيارة قديمة.



قد يكون هذا الرجل (إينزو ديكارو) "سان جينارو"، شفيع المدينة، كما يدّعي وقد لا يكون كذلك. لكنّ المرأة هي عمّة "فابيو"، "باتريسيا" (لويزا رانياري). ينظر إليها ابن أخيها بخليطٍ مراهِق من الشهوة والتعاطف. يعرض الفيلم مشاعره بكل وضوح.

كان طبيعياً أن يرغب "فابيو" في إخراج الأفلام حين يكبر نظراً إلى خلفيته المعقدة. تبدو عائلته الصغيرة فوضوية، مع أنها أقل اختلالاً من الأقارب البعيدين. تتقن والدته "ماريا" (تيريزا سابونانجيلو المدهشة) ألعاب الخفة وتُحضّر المقالب دوماً. ويعمل زوجها "سافيريو" (توني سيرفيلو الذي يظهر في معظم أعمال سورينتينو) في "بنك نابولي"، مع أنه يتفاخر بكونه شيوعاً. وانطلاقاً من مبادئه الإيديولوجية، هو يرفض شراء تلفزيون مع جهاز تحكّم عن بُعد.

شقيق "فابيو" هو "مارشينو" (مارلون جوبيرت): إنه ممثل طموح لكنه يتأثر بتجربة أداء مع فيليني الذي يعتبره وجهاً "تقليدياً أكثر من اللزوم". يتقاسم سورينتينو الذوق نفسه مع فيليني، فيبحث أحياناً عن وجوه وأجسام بشرية غريبة. لكن تبقى الفوضى العاطفية الصفة الوحيدة التي لا يتخلى عنها. لا تأتي المشاعر على شكل حُزَم منمّقة ولا تتحرك وفق خطوط مستقيمة. بل إن المعاناة والمتعة شعوران متقاربان، حتى أنهما مترادفان أحياناً. سرعان ما تتحول البهجة إلى ألم أو تُمهّد السخرية فجأةً لنشوء عواطف جدّية.

تبدو الخلافات في عائلة "شيزا" سخيفة على نحو هزلي (تحتكر شقيقة لن نشاهدها كثيراً الحمّام، وتضرب صاحبة المنزل الأرستقراطية السقف بمكنسة...) إلى أن تعطي خيانة "سافيريو" طابعاً ميلودرامياً للأحداث. يحصل ذلك في منتصف الفيلم تقريباً، ثم يقع حدث مريع وكفيل بتغيير مصير العائلة و"فابيو" والفيلم كله.

لا يشير عنوان الفيلم أصلاً إلى موضوع لاهوتي بل إلى تاريخ كرة القدم. حين كان سكان نابولي يوقفون الشجار أو الثرثرة أو التحديق ببعضهم البعض في أيام سورينتينو، كانوا ينشغلون دوماً بالتساؤل حول مجيء لاعب الوسط الأرجنتيني العظيم دييغو مارادونا للعب مع فريق المدينة. كان مجيئه يُعتبر معجزة بحد ذاتها، فتصبح الصور التي يظهر فيها في الملعب أو على التلفزيون أشبه بلقطات سحرية صغيرة، لا سيما الهدف الشهير الذي سجّله بيده في كأس العالم في العام 1986 وقد نَسَبه مارادونا حينها إلى العناية الإلهية.

لن يكون "فابيو" مشابهاً للأمراء في القصص الخيالية، بل إنه ساحر مبتدئ. يتمتع الممثل اللطيف فيليبو سكوتي بحضور هادئ لكنه ليس جامداً. وقد يكون الانتقال من المراهقة إلى مرحلة الرجولة شبه الكاملة من أكثر اللحظات سلاسة في هذا الفيلم مع أن العمل لا يهتم كثيراً بتقديم أحداث سلسة.

يواجه "فابيو" أحداثاً كثيرة، بعضها متوقّع في هذا النوع من الأفلام التي تتمحور حول نضج الشخصيات. هو يصادق رفيقاً جديداً (مُهرّب اسمه "أرماندو" ويؤدي دوره بياجيو مانا بطريقة واقعية). قد تكون تجاربه تقليدية بدرجة معينة، لكن يرفض سورينتينو اعتبار أي حدث عادياً.

في النهاية، لا يمكن اعتبار هذا الفيلم وسيلة للابتعاد عن الواقع بل إنه عمل واقعي بامتياز، فهو يعرض حياة شابٍ وُلِد كي يصبح مخرجاً.