خالد العزي

أوكرانيا في قلب الصراع بين موسكو والغرب

8 دقائق للقراءة
الجيش الروسي يستعد

يشكل التحدّي الروسي ضد أوروبا حالة جديدة لم تعرفها المنطقة قبل الحرب العالمية الثانية، حيث تريد موسكو العودة الى ما قبل العام 1991 الأمر الذي يشكل التهديد الأقصى لادارة جو بايدن، ولتوجه اوكرانيا وجورجيا للانضمام الى حلف الناتو مؤخراً، بالرغم من إعلان الحلف بعدم جهوزية الدولتين للانضمام بسبب المشاكل الداخلية والخارجية.

لقد جن جنون روسيا التي تعتبر بأن وصول الناتو الى حدودها خرق فعلي للمعاهدة التي أبرمتها سابقاً مع الناتو، وتريد العودة إليها لمنع قبول أوكرانيا في الحلف دون تقديم اي تنازلات للجانب الاوروبي ولا لاوكرانيا التي خسرتها مرتين: المرة الأولى حين احتلت جزيرة القرم ضاربة المعاهدات المبرمة عرض الحائط، والمرة الثانية عند تملّص روسيا من اتفاقات النورماندي بشأن حل الازمة في جمهورية نوفا روسيا في الدونباس.

لقد خسرت روسيا أوكرانيا عندما رفعت السلاح بوجه الشعب الأوكراني الحليف الدائم لروسيا القيصرية منذ بناء الدولة القيصرية حيث كانت العاصمة تعرف باسم "كيفسك روس" فترة اعتناق المسيحية الارثوذكسية. عندها انتهت آمال روسيا بتكوّن اتحاد أوراسيا بوجه الاتحاد الاوروبي، وبخروج أوكرانيا منه لقد خرج العقل المدبر وتم الإبقاء على العضلات.

لكن بعد انعقاد القمة الروسية الاميركية عبر الفيديو كونفرنس بين الرئيسين بوتين وبايدن احتلت اوكرانيا حيزاً كبيراً في المناقشات التي سبقتها تهديدات قاسية من الجانب الاميركي لروسيا في حال قيامها بأي اعتداء ضد اوكرانيا بفرض عقوبات عليها لم تعرف مثلها من قبل.

لكن روسيا سارعت عبر نائب وزير خارجيتها سيرغي ريابكوف، الى الدعوة الى بدء محادثات سريعة مع أوروبا، ولكن بعد ان أرسلت روسيا مادتين للنقاش بشأنهما مع الغرب حول شروطها من اجل ازالة حالة التصعيد في أوكرانيا، والتي تعتمد على ازالة كافة البنى التحتية العسكرية لدول الناتو من أوروبا الشرقية بعد عام 1997، خصوصاً ان هذه المطالب تعرفها روسيا بانها مستحيلة بالنسبة للغرب واميركا، لان الغرب يعتبر بان هذا الطرح يشكل ذرائع وحجج لبوتين من اجل غزو اوكرانيا وفتح اشتباك مسلح مع أوروبا.

اذن مشكلة اوكرانيا بالنسبة للدول الاوروبية هي مشكلة امن قومي للقارة وليس قضية اقتصادية، ما يفرض على الدول الأوروبية انتهاج سياسة واضحة للتصدي لروسيا بشكل مباشر من خلال الحوار وتوحيد المواقف الاوروبية بشكل واضح، وبالتالي يضع الولايات المتحدة والادارة الجديدة امام مأزق في التعامل مع هذا التهديد من خلال رفع البطاقة الحمراء بوجه موسكو او السكوت والمساومة على الأمن الأوروبي في تحقيق صفقة معينة على حساب أوكرانيا والأمن الأوروبي.

بدوره، أعلن الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل أن مفهوم الأمن في الاتحاد الأوروبي جاهز أخيراً. حيث تتضمن "البوصلة الإستراتيجية" (كما تسمى هذه الوثيقة) إجراءات لاحتواء روسيا من قبل القوات الأوروبية، وليس الناتو بشكل عام.

لقد دعا قادة الاتحاد الأوروبي خلال قمة في بروكسل في 17 من الشهر الحالي إلى استئناف المفاوضات مع روسيا لتخفيف التوتّرات بينها وبين أوكرانيا، على الرّغم من أنّ بوتين لا يريد ان يتعامل سوى مع الولايات المتّحدة في كل ما يخصّ القضايا الأمنية على حدود بلاده الشرقية.

يأتي رد الفعل الاوروبي على استخدام المهاجرين كـ"سلاح هجين" (هذه هي الطريقة التي ينظر بها الاتحاد الأوروبي إلى أزمة الهجرة على الحدود البولندية - البيلاروسية)، والى التدابير الصارمة لتقييد روسيا في حال سيُترك الاتحاد الأوروبي بمفرده بالمواجهة معها، بلا دعم الولايات المتحدة.

إن "البوصلة الإستراتيجية" الاوروبية، المكملة مع الأخذ في الاعتبار الأحداث على الحدود البيلاروسية البولندية والأوكرانية الروسية، سيتم تقديمها في بداية العام 2022 في اجتماع غير رسمي لوزراء الخارجية ووزراء دفاع دول الاتحاد الأوروبي. وستتم الموافقة على المفهوم أخيراً، كما هو مخطط، في مجلس الاتحاد الأوروبي في الشهر الثالث من العام 2022.

لا بد من القول بان هناك اوراقاً كثيرة من الناتو وأوروبا للوقوف بوجه روسيا والتي تفشل اوهام بوتين بدق اسفين في قلب الوحدة الاوروبية منها:

- فرض عقوبات تبدأ على خط غاز نورد ستريم 2 الذي يعتبر شريان الحياة لروسيا وشركة غازبروم المملوكة من قبل الدولة، وبوتين شخصياً، والتي يمكنها افشال الضغط على دول أوروبا الشرقية.

- إخراج روسيا من النظام المالي سويفت الذي سينعكس سلباً على الداخل الروسي بل العقوبات الجديدة التي فرضت على موسكو وآخرها على الشركات العسكرية للمرتزقة.

- فرض حظر على استخدام الاجواء الاوروبية امام طيران أيروفلوت الروسية وأخواتها ومنعها من استخدام المدار الاوروبي والعالمي، ما يعكس عزلة فعلية للدولة الروسية.

- الذهاب اكثر نحو تعزيز الدور الاوكراني وتزويد اوكرانيا بسلاح متطور ومسيّرات وخبراء عسكريين ولوجستيات من اجل رفع مستوى العمل التقني للجيش الأوكراني.

- وصولاً الى قبول اوكرانيا وجورجيا في الناتو سريعاً ضد الخطر الذي يهددهما من روسيا من اجل تأمين حماية فعالة لهما.

بوتين يريد فرض أمر واقع من خلال الدخول الى أوكرانيا واحتلالها واستباحتها كدولة ذات سيادة بظل ضعف الادارة الاميركية ورئيسها، وخاصة بان بوتين قد تحدى العالم واميركا باحتلال القرم بسهولة دون اية ردود فعل دولية سوى العقوبات التي فرضت عليه وتعايشت روسيا معها، دون اي ازعاج بالرغم من تصريحات بوتين الكثيرة بان روسيا تعاني من العقوبات لكنها تعايشت معها.

لذلك فان الدخول إلى أوكرانيا بالنسبة لروسيا هو نقل المعركة الى الداخل الاوروبي من اجل احتلال أوكرانيا وتكرار تجربة عام 2008 مع جورجيا، وبالتالي تنتهي المساومة على القرم والمناطق الشرقية، بل يصبح الحديث عن الانسحاب من اوكرانيا وضمانة استقلالها وفقاً للشروط الروسية من دون تقديم اي تنازلات.

لذلك تشير وثيقة بوريل اولاً الى خطر المواجهة مع الصين وروسيا التي تحد من تأثير الولايات المتحدة. والخطر الثاني "استراتيجي"، تفرضه "القوى الفاعلة الجديدة، مقروناً باستراتيجية زعزعة الاستقرار المتكئة إلى الحرب السيبرانية والتضليل المعلوماتي والإعلامي. يضاف إلى ذلك أن الاتحاد يواجه هجمات تستهدف أسس الديمقراطيات الليبرالية التي يتبناها.

إزاء هذا الواقع، تقول وثيقة بوريل إنه يتعين على الاتحاد أن "يتحرك بسرعة وبشكل حاسم في إدارة الأزمات" الناشئة، ما يفترض استباق التهديدات وتعزيز الاستثمار في القدرات التكنولوجية والتعاون مع شركاء الاتحاد. وتقترح تمكين الاتحاد من "نشر سريع للقوات" وفق ما تتيحه نصوصه ومعاهداته.

بالنسبة لروسيا الاتحادية، فإن الشيء الرئيسي هو أن اي مناقشة لـ"البوصلة الاستراتيجية" ستحصل في وقت تجري فيه المباحثات الروسية الأميركية حول الاستقرار الاستراتيجي والأمن، على أساس المقترحات التي طرحها نائب وزير الخارجية للاتحاد الروسي سيرغي ريابكوف.

ان نوايا روسيا النهائية غير واضحة، باستثناء أنها تسعى إلى تهديد وإضعاف أوكرانيا. كتب بوريل في مدونته "يجب أن نأمل في الأفضل وأن نستعد للأسوأ".

تناول بوريل في رسالته مباشرة موضوع المحادثات الأمنية التي اقترحها الكرملين مع الولايات المتحدة. واعترف رئيس الديبلوماسية الأوروبية بأن روسيا ستحاول استخدام الوضع الحالي "كوسيلة رافعة"، وتحقيق "تغيير في الهيكل الأمني في أوروبا في نهاية المطاف".

من هنا فان التراجع الاوروبي امام التهديد الروسي لن ينتهي وبالتالي ان استغلال الضعف الغربي سيفرض معادلة جديدة بفرض روسيا نفسها لاعباً اساسياً في العالم من خلال عودتها الى الساحة الدولية بقوة غطرستها العسكرية.

لكن الرد الغربي بموقف موحد ضد تصرفات وعنجهية بوتين سيكون له دور اساسي بعدم قدرة روسيا على الذهاب منفردة للمواجهة التي ستضعها بوجه الغرب وأميركا، التي ستستفيد من الموقف الاوروبي للوقوف بوجه روسيا والتي تحمل في جعبتها الكثير من الأوراق التي يمكن ان تشكل تهديدا لروسيا، وربما وضع بند جديد في الميزانية الاميركية للعام 2022 بتعجيل تسليح أوكرانيا بالمروحيات ومنظومات صواريخ جافلين، ورصد مبالغ مالية للدولة الاوكرانية بـ450 مليون دولار التي تطرح الكثير من الاجابات، الى جانب نشر قوات من الناتو في رومانيا وبلغاريا، ما يعني بان مناقشة اقتراحات روسيا لا يعني التراجع لان التراجع هو هدية لروسيا لا تستحقها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل ان تحركات وحشود روسيا العسكرية ضد اوكرانيا وفي حوض البحر الاسود في حال حصول اي تدافعات عسكرية بسيطة، ستترك انعكاسات على سوريا ستكون ايجابية لصالح المعارضة في حال تم توحيد رؤيتها بدعم عربي وغربي، لاستعادة زمام المبادرة من جديد دون السماح لسطوة التطرف الاسلامي ودفع الملف السوري مجدداً نحو تفعيل اتفاق جنيف؟