مجيد مطر

كلام جبران باسيل أخطر من مضمون الصفقة

27 كانون الأول 2021

02 : 00

ثبت بما لا يدعُ مجالاً للشك بأن "رئيس التيار الوطني الحر" جبران باسيل، كان جزءاً من الصفقة التي تضمنت إقالة المحقق العدلي، والصف الأول من كبار القضاة المعروفة أسماؤهم، في مقابل قبول الطعن المقدم الى المجلس الدستوري لحصر تصويت المغتربين في "الدائرة 16" فقط ومنعهم من التصويت لـ 128نائبا. فهو لم يعُدْ باستطاعته نكران دوره فيها، وقبوله بمضمونها. ومن السهولة بمكان إقامة صلة للوزير باسيل في كل ما يتعلق بتلك الصفقة المشؤومة، طالما أنها كانت ستجنبه الكأس المرة، الممكن تجرعها في الانتخابات المقبلة، على يد المغتربين انفسهم، في حال لم يتم تأجيلها أو تطييرها.

لم تمر الصفقة وسقطت بالضربة القاضية بعد أن انسحب الرئيس ميقاتي قبل وصولها الى خواتيمها، حسب تقارير صحافية. وبمعزل عن أسباب انسحابه، وقوله أنه غيرُ معني بها، فقد بات من شبه المؤكد أن تلك الصفقة لها أصحاب، وهي "تعني أصحابها" على حد قول رئيس المجلس الدستوري القاضي طنوس مشلب. وباسيل احد أصحابها.

وبعد أن سقط الطعن، واعتبر القانون المطعون فيه نافذاً، تحدث جبران باسيل، معلقاً على ذلك، وقد جاء مضمون كلامه أخطر من الصفقة نفسها، حيث قال: "اليوم تم اسقاط المجلس الدستوري، وما حصل هو ضرب للميثاقية وصلاحية رئيس الجمهورية في المادة 57 وسقوط إضافي للدستور الذي نحاول ان نحافظ عليه".

ورد رئيس المجلس الدستوري على باسيل بطريقة غير مباشرة من خلال نفيه وجود "أي خلفية سياسية، والنقاش كان بخلفيات قانونية".

فهل يَحتمِل عدم اتخاذ قرار بطعنٍ ما، على إمكانية اعتباره سابقة في تاريخ المجلس الدستوري، ذلك الكلام الخطير الذي صرح به باسيل؟

إنه مجرد قرار من المجلس الدستوري، قد يحتمل الخطأ كما الصواب، طالما أن هناك جملة من الاجتهادات، قد يستند اليها هذا القاضي او ذاك، ولا يمكن بالمطلق ربط هذه الأمور بالميثاقية والصلاحيات، ولِمَ أصلاً محاولات الظهور، بمظهر المظلوم والمستهدف؟ فالمتكلم نفسه كان على استعداد لفعل أي شيء في سبيل مصالحه الخاصة. ويستحسن استرجاع كل مواقف "التيار الوطني الحر" للتأكد أن البكاء كان على الهريسة وليس على الحسين!.

وقبل مناقشة كلام باسيل، يصح التساؤل الآتي: ماذا لو تمت الصفقة، وتم منع المغتربين من التصويت، كهدف استراتيجي لحجب تأثيرهم في اتجاهات التصويت؟ هل اعتبر حينها كلُّ شيء " قشطة على عسل" والميثاقية في "خِدرها" آمنة ومصانة؟

الم يصرّ التيار العوني طيلة سنوات على أن اتفاق الطائف قد سلب رئيس الجمهورية صلاحياته، ثم وعند المصلحة يتم الحديث عن صلاحيات مستهدفة ومعطلة؟ نحن أمام انفصامٍ لا حدود له، وفظاظة متفلتة من عقالها.

في محتوى الكلام، إن اتفاق الطائف لم يجعل من رئيس الجمهورية "باش كاتب" كما يدّعون، بدليل صلاحياته في تسمية رئيس الحكومة منفرداً، والتوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة، فضلاً عن المراسيم العادية التي لا يُعمل بها في حال عدم توقيعها من رئيس الجهمورية، وهذه المراسيم تقوم عليها حياة الدولة، فمن مرسوم فتح دورة استثنائية لمجلس النواب، الى مرسوم اجراء الانتخابات، وتعيين الموظفين، وغيرها من المراسيم العادية التي هي بحاجة لتوقيع رئيس الجهمورية، كلها تؤكد انه لا يزال شريكاً فعّالاً في السلطة.

إن النظام اللبناني ليس رئاسياً، وعليه فقد عمل اتفاق الطائف على إعادة توزيع السلطة بما يتناسب مع الميثاقية، من دون أن يغفل أهمية موقع رئيس الجهمورية، الذي أُعطي الدور والمكانة، فهو "رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن". ودوره في الحفاظ على الميثاقية في الحكومة يتمثل في رفضه التوقيع على أي مرسوم تشكيل حكومة اذا لم يراعِ المناصفة، او لم يراعِ تمثيل المحافظات في التشكيل، فهو يحرص على أن يكون كل الوزراء على قدر من الكفاءة والنزاهة، ولا يشكلون استفزازاً لأي مكون من مكونات البلد. هذه الصلاحيات فيما لو تم تطبيقها بحذافيرها، ستجعل من الرئيس صاحب كل الصلاحيات وأميناً على كل المؤسسات الدستورية، بصفته ومكانته كحكم بين الجميع، لا أن يدخل في لعبة المحاصصة، فمكانته بحسب الدستور أهم من وزير من هنا، أو وزيرين من هناك.

واضح جداً انه فيما لو تمت الصفقة، كانت ستجر معها حلولاً ترضي السلطة مجتمعة، وتعطيها الوقت للتحضير للانتخابات، وهذا ما يبرر حنق باسيل الذي يجهز الأرضية مسبقاً، في حال صحت الاستطلاعات وخسر التيار عدداً من نوابه، ليبرر ذلك بمكيدة ضده، وأن هناك من لعب بالميثاقية، وكأن تخليد التيار العوني في السلطة واجب الوجوب!. يعرف جبران باسيل جيداً اللعب وفق "نظرية المؤامرة"، وكاد أن يقول في مؤتمره الصحافي انه ضحية دائمة، مستعيداً نغمة الحلف الرباعي ليتلاعب بعواطف جمهوره الذي وقف الزمن لديه عند تلك الحادثة، في حين يدرك الجميع، أن "الحلف الرباعي" كان رباعياً في منطقة، وخماسياً في مناطق اخرى، حيث صبَّ "حزب الله" حينها أصوات محازبيه في زحلة وجبيل وكسروان لصالح التيار، هذا عدا عن أن جميع حلفاء سوريا قد اصطفوا في كتلته ما ضخم من وزنه، مع احترامنا للحجم التمثيلي للتيار العوني.

فحبذا لو يتم التوقف عن اللعب بمشاعر الجمهور، الذي يتم وضعه دائما في قناة الدعاية والتحريض، فلقد اصبح ذلك من العادات الممجوجة.

رحم الله البطريرك صفير، دائما تثبت الأحداث أنه كان على حق...

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.