قلما يلتقي اللبنانيون في هذه الأيام. قلما يتبادلون الكلام.
وقد تكون هذه الجملة لسانُ حال كثيرِين منهم: "اللي فيني، كافيني".
يَشعرون بهولِ ما يعايشون اينما كان، إذ باتوا فقراء في غالبهم الأغلب،
وبات كل واحد منهم يحتاج إلى محفظة كبيرة لكي ينقل الملايين التي يحتاجها لدفع كلفة العملية الجراحية، والمبلغ "الإضافي" المتوجب للطبيب، فيما هو '"مضمون" من شركة لتأمين الحياة...
تحدثَ أمين عام الأمم المتحدة، في بيروت، قبل أيام، عن أن هناك عملية احتيالية ضربتْ النظام المصرفي، وأصابتْ، في أولهم، أصحاب الودائع...
هذا صحيح. هذا ما يرصد اللبناني بعض اخباره، لا سيما في الصحافة العالمية.
اما هنا، فلا. فالكثيرون يشاركون في الاحتيال، إذ يتغاضون عنه، او يخشون الإفصاح عنه: اسألوا أي لبناني، ولا سيما في القطاع الخاص، فسوف تجدون ان إدارة المؤسسة، أو الشركة التي يعمل فيها، تحتال عليه وعلى زملائه، و"تبلصهم" (كما كان يقال).
لهذا مبدأ واضح في الاحتيال المنظم، هو ان من يعلوك في الرتبة او المسؤولية، يمدّ يدَه إلى جيبك، ويريد ان يحافظ -من حسابك- على مستوى حياته ومرتبته ومكانته...
هؤلاء خاضعون، ضعفاء، لصوص، محتالون، ومشاركون في الفضيحة-المهزلة التي باتت دامية.
هذا ليس بوطن، ما دام لكل فئة فيه هوية ومشاعر جماعية تخرق الدستور، وتلتقي في خرافات وشخصيات أسطورية تجعلها مثالَ عيشِها وتقدمِها.
هؤلاء ليسوا بمواطنين ما دام الواحد منهم يَسكت عما يفعله "الزعيم" فيه، لكنه يستأسد على المواطن الآخر الذي يتصرف به "زعيم" آخر.
لهذا نجد أن جريمة فاقعة، مثل انفجار المرفأ، لا تجد سبيلها القضائي المناسب. ولهذا عرفَ البلد سلسلة واسعة من الاغتيالات من دون أن يصل إلى حكم قضائي واحد فيها. حتى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان فشلت، هي الأخرى، ما يعني أن للقتلة خبرة عالية في الاغتيال، وأن لهم "بيئة حاضنة"، وحامية لهم.
هذا يعني أن الجريمة مكشوفة، فاعلوها كثر، أقرب إلى حرب لم تعد مستورة، ويجوز فيها كل شيء، بما فيه إبطال الدستور، وتعطيل القضاء، وإيقاف مجلس الوزراء عن الانعقاد والعمل...
هذا ما يُفسر، بمعنى ما، اندلاع الازمة المالية، وانفضاح المستور. وهو ان كبار السياسة والمال انهزموا، بدورهم، أمام كبار السلاح، أمام الدولة المتداعية، فهرّبوا اموالهم، ونهبوا ما بلغتْ إليه أياديهم الطويلة، فيما أبقوا، لإدارة السلاح، اللبنانيين مفقرِين وخاضعِين.
أكتب هذا بتصرف من لهم -في الانتخابات عادةً- القدرة على التغيير في السياسة. فهل هم لها في الربيع القادم؟