أدانت روسيا القصف الإسرائيلي الأخير على سوريا كما جرت العادة سابقاً. ونشرت صحيفة "فزيغلد" المقربة من الكرملين بتاريخ 30 كانون الأول 2021 أن إسرائيل عرّضت للخطر اتفاقية عسكرية - سياسية مهمّة وحسّاسة للغاية تم التوصّل إليها مع روسيا. على أقلّ تقدير يُمكن استخلاص هذا الاستنتاج من الضربات الجوّية الأخيرة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي على مرفأ اللاذقية السوري.
إذاً هي عملية خاصة لسلاح الجو الإسرائيلي، تقنية تكتيكية تم تنفيذها ضدّ أهداف لـ"الحرس الثوري" الإيراني في مرفأ اللاذقية الذي تُسيطر عليه إيران، حيث تزعم بعض المصادر أن الهجمات على أهداف سورية مرتبطة بسلوك إيراني أكثر عدوانية في سوريا في السنوات الأخيرة، سواء من حيث تهريب الأسلحة أو من حيث الوجود الإقليمي للمستشارين الإيرانيين. وبما أن روسيا ملزمة بالوفاء بالإتفاقات الضمنية في شأن حجم وجغرافية الوجود العسكري الإيراني، فإنّ الرحلات الجوّية تحت غطاء طائرة روسية قد تكون نوعاً من التحذير لموسكو في شأن عواقب عدم الامتثال.
لم تكن الضربة الأولى التي تُنفذها إسرائيل في اللاذقية. إسرائيل أرسلت رسالتها الأولى بأن المكان تحت مرمى النار، لكن في الضربة الثانية استهدفت الكثير من الأهداف الموجودة في المرفأ الذي بقيت النار تلتهمه لمدّة 6 ساعات عجز عن إخمادها رجال الإطفاء. استطاعت إسرائيل ضرب 39 هدفاً عسكريّاً لـ"الحرس الثوري" الإيراني والميليشيات الولائية في العام الماضي، وضربتَيْن ضدّ المرفأ في الوقت الذي كانت فيه الضربات موجّهة نحو ترسانة من الصواريخ الذكية التي تجلبها طهران لتعزيز قدرات قواتها في الجنوب السوري ولبنان.
الردّ يحمل في مضمونه تبريراً روسياً لإيران والنظام بعدم الردّ بالصواريخ الأرضية التي بحوزة الجيش السوري، خوفاً من ارتكاب أخطاء ضدّ طائراتها التي كانت على مقربة من الهبوط، وهي لا تُريد تكرار تجربة 2018 حين تمّ إسقاط طائرة لها وعلى متنها حوالى 15 ضابطاً من الرتب الرفيعة، فيما ابتلعت الصدمة آنذاك. ومن المعروف أن روسيا تخوض حرباً "داخلية" مع إيران في سوريا بهدف تقليص نفوذ الجمهورية الإسلامية والحدّ من قدراتها التي باتت تؤثر على التواجد العسكري الروسي، وهذه الضربات الإسرائيلية تصبّ لصالح موسكو التي تخطف من يد طهران زمام المبادرة.
تُصرّ روسيا على الحفاظ على سوريا وعدم تحويلها إلى ساحة بريد بين الطرفين، الإسرائيلي والإيراني، وتعريض مصالحها للخطر، ما فرض على الإسرائيليين الموافقة على الإستمرار بالمغامرة والتوصّل إلى حل وسط من خلال مزيج من البراغماتية والثقة المتبادلة بين موسكو وتل أبيب، والخروج باتفاق بينهما يقضي بأن تُخبر إسرائيل روسيا قبل وقت عن هجماتها. لقد كان إتفاقاً حسّاساً ومهمّاً جدّاً لكلا الجانبَيْن. لقد تعهّدت إسرائيل بضمان سلامة المواطنين الروس والمنشآت العسكرية الروسية خلال الضربات على سوريا، بينما تعهّدت روسيا بعدم استخدام قواتها لصدّ الهجمات الإسرائيلية على سوريا.
يعمل الطرفان على إيجاد لغة مشتركة دائمة وهادئة لحل القضايا العالقة بينهما، كون روسيا تُشكل نقطة حماية في دول الشرق الأوسط، وهي تقف على جدار المتفرّجين، بحيث تطرح السؤال التالي: من سيفوز في المعركة بين إسرائيل وإيران؟ الإتفاق المُبرم يقضي بإخبار قاعدة حميميم بالهجمات الإسرائيلية ضدّ الميليشيات الإيرانية، لكن بعدما باتت إسرائيل تعلم بأن روسيا تُخبر الجيش السوري والميليشيات لإفراغ الثكنات والمحاور، دفعها الأمر بإبلاغ روسيا قبل 5 دقائق وليس نصف ساعة كما في السابق.
وجّهت إسرائيل عشرات الضربات ضدّ سوريا بدرجات متفاوتة من النجاح، ولم تتدخل موسكو عند قيام تل أبيب بشنّ غاراتها على قواعد إيرانية في عمق الأراضي السورية أو الجولان. لكن الحقيقة هي أن منطقة هبوط الطائرات الروسية في المطارات السورية تمرّ أيضاً فوق البحر (لأغراض أمنية بهدف تجنّب منظومات الدفاع الجوي المحمولة التابعة للمسلّحين). وليس سرّاً على الإطلاق بالنسبة إلى المخابرات الإسرائيلية والقوات الجوّية الإسرائيلية، اللتيْن تعرفان مسبقاً "جدول" رحلات طائرات النقل العسكرية الروسية.
وبحسب تحليل الصحيفة الروسية، فإنّ هذه الضربات لا تضرّ بسوريا فحسب، بل تؤثر أيضاً بشكل مباشر على سلامة الطيارين العسكريين الروس، وتُهدّد أمن العسكريين الروس. لكن تل أبيب استخدمت نفس المخطّط وضربت المقاتلات الإسرائيلية أهدافاً من البحر الأبيض المتوسط، بصواريخ جو - أرض من دون أن تدخل المجال الجوي السوري، حيث أصابت معظم هذه الضربات أهدافها، ولم ينجح الدفاع الجوي السوري مرّة واحدة في إسقاط الطائرات الحربية الإسرائيلية.
في النهاية، لا بدّ من القول إن إسرائيل مصمّمة على عدم إعطاء إيران أي فرصة لتحسين قدراتها العسكرية والصاروخية في سوريا لكي تُهدّد فيها إسرائيل عند جلوسها الى طاولة فيينا، ما يجعل روسيا مرتاحة لوضعها في ظلّ هذا التناحر الإسرائيلي - الإيراني الذي لن ينتهي أبداً، بل ستزداد الضربات ضدّ الأهداف الإيرانية في سوريا بالرغم من الإعتراض السوري والإيراني المبرّر روسيّاً.